فن

التأميم في مصر قاد نهضة سينمائية لبنانية في الستينيات

23 شباط, 2026

في منتصف ستينيات القرن الماضي، شهدت السينما المصرية موجة جديدة من الإنتاجات الفنية التي كان معظمها يُصوّر في مواقع لبنانية، بمشاركة نجوم الشاشة المصرية إلى جانب فنانين من لبنان وسوريا في الغناء والتمثيل. ونتيجة التحولات السياسية والمالية في مصر، أصبحت بيروت خلال تلك الحقبة المحطة السينمائية الثانية بعد القاهرة، حيث أسهم المنتجون والمخرجون والممثلون المصريون في تأسيس صناعة سينمائية مزدهرة في لبنان.

ويرتبط هذا التحوّل بشكل مباشر بقرارات التأميم التي بدأت بعد ثورة الضباط الأحرار عام 1952، والتي شملت القطاع السينمائي ضمن سلسلة من الصناعات التي استحوذت عليها الدولة. ففي بداية الستينيات، أصدرت الحكومة المصرية قرارًا بتأميم السينما وإنشاء “المؤسسة العامة للسينما”، ما أدى إلى هجرة أولى لمجموعة من صناع الأفلام إلى الخارج، من بينهم لبنان الذي أصبح ملاذًا للاستثمار والتمويل السينمائي.

وشهدت بيروت تدفقًا ماليًا من فلسطينيين وسوريين ولبنانيين، ساهم في تمويل هذه الإنتاجات، في وقت كانت السينما اللبنانية لا تزال في بداياتها، بخلاف “هوليوود العرب” في القاهرة. وقد لعب المنتجون المصريون دورًا محوريًا في تطوير الصناعة اللبنانية، حيث أتاحوا للبنان أن يصبح مركزًا لإنتاج عشرات الأفلام سنويًا حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي، قبل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية.

وتتميز تلك الأفلام بكثافة الإنتاجات المشتركة التي جمعت ممثلين مصريين ولبنانيين، وكان بعض الممثلين اللبنانيين في بدايات هذه الأعمال يؤدون أدوارهم باللهجة المصرية. كما صوّرت العديد من المشاهد في مواقع طبيعية ومعالم سياحية لبنانية مثل شاطئ صخرة الروشة، قلعة بعلبك، جبال لبنان، وحريصا المطلّة على خليج جونية. وكانت معظم القصص تدور حول حكايات حب ومغامرات أبطال من مصر ولبنان وسوريا والعراق، في مواجهة عصابات ولصوص، مع أغاني مصوّرة تشبه النواة الأولى لما سيعرف لاحقًا بالفيديو كليب.

ويرى خبراء السينما أن هذا التحول يعكس طبيعة الاختلاف بين النموذجين السينمائيين في القاهرة وبيروت، حيث اتسمت القاهرة بالاشتراكية والرقابة السياسية والدعائية، في حين اعتمدت بيروت على السوق والربح التجاري، ما جعل الأفيشات الدعائية للأفلام تظهر النماذج المختلفة للإنتاج السينمائي.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن التأميم في مصر لم يكن الدافع الوحيد وراء هجرة صناع السينما، بل شكلت أحداث مثل هزيمة 1967 وما عرف بالنكسة موجة ثانية من الرحيل إلى لبنان، لتستمر هذه المرحلة من التعاون السينمائي حتى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في منتصف السبعينيات، والتي عطّلت النشاط السينمائي في البلاد لفترة طويلة.

وقد تركت تلك الحقبة إرثًا ثقافيًا مهمًا، إذ ساعدت على نقل الخبرة السينمائية المصرية إلى لبنان، وأسست لشراكات فنية عربية واسعة، وأسهمت في تعزيز الانتشار الإقليمي للسينما العربية قبل انتشار التلفزيون وانتقال الجمهور إلى الشاشات الصغيرة في المنازل.

شارك الخبر: