لبنان

بين الكحالة وضهر البيدر… حين يصبح ما لم يُكتشف أخطر مما كُشف

13 تشرين الأول, 2026

المسافة الجغرافية بين بلدة الكحالة ومحلة ضهر البيدر قصيرة نسبياً، لكن ما يجمع بينهما، في ضوء ما كُشف في المحطتين، يتجاوز بكثير المسافة الفاصلة بينهما على الخريطة. فبين شاحنة السلاح التي انزلقت على كوع الكحالة، وما كُشف في ضهر البيدر بفضل يقظة القوى الأمنية، تتقدم إلى الواجهة مسألة أكثر خطورة من تفاصيل الحادثتين بحد ذاتهما. فكم من المخاطر الأمنية يمكن أن يعبر الطرق اللبنانية من دون أن يُكتشف، وكم من الوقت قد يفصل بين مرور خطر ما وانكشافه بفعل حادث أو مصادفة أو معلومة تصل في اللحظة المناسبة؟

في الكحالة، لم يكن انزلاق الشاحنة مجرد حادث سير عادي. فقد أخرج من داخلها قضية شديدة الحساسية، سرعان ما تجاوزت حدود المكان لتتحول إلى مواجهة سياسية وأمنية وشعبية، كاشفة مرة جديدة حجم الاحتقان الذي يعيشه لبنان، ومدى سهولة انتقال حادث ميداني إلى أزمة داخلية تتداخل فيها الحسابات السياسية والهواجس الأمنية والانقسامات المجتمعية. ولولا ذلك الحادث، لواصلت الشحنة طريقها في صورة طبيعية، من دون أن يعرف أحد ما تحمله أو إلى أين تتجه.

أما ما كُشف في ضهر البيدر، فيعيد طرح السؤال نفسه من زاوية مختلفة. فنجاح القوى الأمنية في اكتشاف خطر محتمل يستحق التقدير، لكنه يفتح في الوقت نفسه باباً واسعاً للتساؤل عن آليات المراقبة والمتابعة، وعن مدى قدرة الأجهزة المختصة على رصد التحركات المشبوهة قبل وصولها إلى مرحلة قد تصبح فيها نتائجها كارثية. فالمشكلة ليست في أن الأجهزة الأمنية تنجح في الكشف عن شحنة أو سيارة، بل في أن يبقى احتمال مرور مخاطر أخرى من دون اكتشاف قائماً، في بلد تتقاطع فيه الأزمات السياسية والأمنية مع هشاشة الوضع الاجتماعي.

وبين الحادثتين، تبرز مفارقة لا يجوز تجاهلها. ففي الكحالة، كان الحادث نفسه هو الذي كشف ما تحمله الشاحنة، فيما ارتبط الكشف في ضهر البيدر بجهود القوى الأمنية ويقظتها. وهذا الاختلاف في ظروف الكشف يطرح تحدياً أساسياً أمام الدولة، يتمثل في الانتقال من التعامل مع الأخطار بعد ظهورها إلى بناء منظومة قادرة على استباقها ومنعها. فلا يمكن أن تبقى سلامة المواطنين مرتبطة بصدفة على طريق، أو بحادث سير، أو بمعلومة تصل في الوقت المناسب، فيما يفترض أن تكون الرقابة الأمنية قائمة على المتابعة المنهجية وتبادل المعلومات والتنسيق بين الأجهزة.

ولا يعني ذلك الجزم بأن مئات الشاحنات أو السيارات المحمّلة بالسلاح أو المتفجرات قد مرّت بالفعل من دون اكتشاف، إذ إن إثبات مثل هذا الأمر يحتاج إلى معطيات وتحقيقات واضحة. فهل تمتلك الدولة صورة دقيقة عن حركة النقل المشبوهة على الطرق الرئيسية، وهل تكفي الإمكانات المتاحة لمراقبة هذه الحركة في ظل اتساع التحديات الأمنية، والأهم، هل تُستثمر المعلومات المتوافرة لدى الأجهزة في إطار تنسيق فعلي يمنع انتقال الخطر من منطقة إلى أخرى؟

إن خطورة هذه المسألة لا تتوقف عند طبيعة المواد التي يجري نقلها، ولا عند الجهة التي تعود إليها الشحنات، بل تشمل أيضاً النتائج التي قد تترتب على اكتشافها في ظروف غير محسوبة. فوجود السلاح في شاحنة على طريق عام قد يتحول، في لحظة واحدة، إلى أزمة أمنية وسياسية، فيما قد يؤدي اكتشاف مواد شديدة الخطورة داخل سيارة إلى تداعيات تتجاوز بكثير الأشخاص المعنيين بها. وفي بلد مثل لبنان، حيث لا تزال الذاكرة الجماعية مثقلة بتجارب العنف والانقسام، يصبح احتمال وقوع حادث من هذا النوع مصدر قلق يتخطى الحسابات الأمنية الضيقة.

والأخطر أن تداعيات أي حادث، سواء حصل في الكحالة أو في ضهر البيدر، لا تبقى بالضرورة محصورة في مكان وقوعه. فالكحالة قدمت مثالاً واضحاً على قدرة حادث واحد على استحضار انقسامات عميقة، وإعادة طرح أسئلة السيادة والسلاح ومرجعية القرار الأمني. وعندما تتداخل هذه الملفات مع توترات سياسية وطائفية قائمة، يصبح هامش الخطأ ضيقاً للغاية، وقد تتحول حادثة محدودة في ظاهرها إلى مادة تعبئة متبادلة، أو إلى مواجهة لا تكون نتائجها قابلة للاحتواء بسهولة.

من هنا، لا يمكن التعامل مع ما كُشف في الكحالة وضهر البيدر بوصفه ملفين منفصلين تماماً، ولا يجوز في المقابل افتراض وجود رابط عملياتي بينهما من دون أدلة. ما يجمعهما في هذه المرحلة هو السؤال المتعلق بقدرة الدولة على فرض الرقابة الأمنية على الطرق اللبنانية، وحماية المواطنين من مخاطر نقل السلاح أو المتفجرات خارج الأطر القانونية. وهذه مسؤولية لا يمكن أن تخضع للاعتبارات السياسية أو للتوازنات التي لطالما أعاقت قيام دولة قادرة على تطبيق القانون على الجميع.

المطلوب، بالتالي، ليس الاكتفاء بالإشادة بجهود القوى الأمنية عند كل إنجاز، على أهمية هذه الجهود، بل البناء عليها من خلال مراجعة جدية للإجراءات المعتمدة، وتحديد الثغرات المحتملة، وتعزيز التنسيق وتبادل المعلومات، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في نقل مواد خطرة بصورة غير قانونية. كما أن الشفافية في إعلان نتائج التحقيقات، ضمن الحدود التي تفرضها مقتضيات الأمن، ضرورية لتبديد المخاوف ومنع تحويل الوقائع الأمنية إلى مادة للشائعات أو للاستثمار السياسي.

المصدر: “لبنان24”

شارك الخبر: