لبنان

“الحزب” مطوّق بسحب السلاح “شمال الليطاني”: كيف سيرد؟

13 أيلول, 2026

كتب منير الربيع في “المدن”:

تأجيل جولة المفاوضات التي كان يفترض أن تنعقد الأسبوع المقبل في روما، يفتح الباب أمام تأويلات كثيرة، بعضها يرتبط بانسداد الأفق نظراً للانقسام العمودي القائم على المستوى الداخلي، وعدم وجود بوادر تفاهم أو اتفاق بين الدولة اللبنانية من جهة وحزب الله من جهة أخرى. بينما الموقف الأميركي والإسرائيلي واضح لجهة ضرورة تحرك الجيش لسحب سلاح الحزب، وهو ما لا يريده الجيش كي لا يصبح الصدام واقعاً. البعض الآخر من التأويلات يشير إلى أنَّ لبنان هو الذي طالب بتأجيل المفاوضات بحال لم تكن قابلة لتحقيق أي مكسب. إسرائيل تعتبر أنها بعد معركة علي الطاهر، أصبحت تُفاوض من موقع مختلف، وهي ترفض البحث في المناطق التجريبية أو الانسحاب من أي منطقة. فيما هي تريد فتح ملفِ سحب السلاح من شمال نهر الليطاني. التصعيد العسكري الإسرائيلي الذي استهدف النبطية كان هدفه إبقاء الضغط قائماً لأجل دفع الدولة اللبنانية للدخول في مرحلة سحب السلاح من شمال الليطاني وليس في جنوبه فقط.

النبطية في قلب الضغوط

تزامن ذلك مع تحرك متعدد الأوجه تجاه الطائفة الشيعية أو من داخلها. نداءات من أبناء الطائفة الشيعية لدخول الدولة بأجهزتها الأمنية والعسكرية إلى النبطية وجعلها منزوعة السلاح. المعنى الأوضح لذلك كان مطالبة الجيش بالدخول لسحب سلاح حزب الله وضبط أي حركة في المدينة، بمعنى منع الحزب وعناصره وقياديين من التحرك فيها. أضيف إلى هذه النداءات لقاء السفير الأميركي ميشال عيسى مع نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، وقد كان عيسى واضحاً لجهة تكرار المطالب الواضحة بضرورة سحب سلاح حزب الله والتخلي عن العمل العسكري. ثم جاء بيان السفارة الأميركية ليشير بوضوح إلى أنَّ الجنوب هو ملك للبنان وليس ملكاً للميليشيات، كانت هذه إشارة واضحة من الأميركيين للإصرار على مسارهم حول دفع الدولة لتفكيك البنى العسكرية للحزب، وما قصده الأميركيون أيضاً هو ما جرى تداوله في بعض الكواليس السياسية والأمنية عن وجود مسؤولين عسكريين أو مستشارين إيرانيين في النبطية ومحيطها، لذلكَ أصدرت السفارة بيانها حول وجوب إخلاء الجنوب من المسلحين الخارجين عن الدولة اللبنانية. بناءً على كل هذه الضغوط جاءت خطوة نشر الجيش والأجهزة الأمنية وإقامة حواجز وتسيير دوريات، التي لاقاها رئيس الجمهورية جوزاف عون بزيارة بنفسه لتقديم صورة واضحة حول وجود الدولة هناك. وقف عون على تماس مع الشيعة، وقال لهم لن نترككم، وهو يقصد أنَّ الدولة هي المسؤولة عنهم وعن أمنهم، وليس حزب الله.

سياسياً، كل هذه التحركات تقرأ في خانة تطويق سياسي للحزب. أراد عون أن يقول بوضوح إنَّ الدولة اللبنانية موجودة في النبطية، تسيطر عليها والأجهزة الأمنية منتشرة. للزيارة رمزية أساسية حول استعداد الدولة للعب دورها من جهة، كما أنها تحمل مؤشراً واضحاً حول مساعي عون مع الأميركيين لمنع تجدد التصعيد الإسرائيلي باتجاه النبطية وعدم السماح لإسرائيل بالسيطرة عليها.

مهلة أميركية للدولة!

المساعي التي بذلها عون كان هدفها تجنيب النبطية مصير علي الطاهر، لذلكَ كان قرار نشر الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى وعدم السماح بالقيام بأي تحرك ميداني أو عسكري لحزب الله في المدينة. وفق المعلومات وافق الأميركيون على ذلك وعلى منح لبنان مهلة لإثبات جدارته في تحقيق هذا الأمر، علماً أنَّ ذلكَ لم يمنع إسرائيل من تفجير أنفاق علي الطاهر بأكثر من 1100 طن من المتفجرات، مع تساؤلات كثيرة تطرح حول ما الذي حصل في المنشأة، وكيف تمكن حزب الله والإيرانيون من مغادرتها. أما السؤال الآخر الذي يطرح، فهو حول مرحلة ما بعد علي الطاهر، وهل سيكون هناك تهدئة للنشاط العسكري الإسرائيلي ووقف للتوسع، أم أن تل أبيب ستختار الذهاب إلى مناطق أخرى مثل جبل الريحان وإقليم والتفاح؟

شمال الليطاني عنوان المرحلة المقبلة

وعلى وقع هذه التطورات، برز تأجيل جولة المفاوضات الثامنة التي كان يفترض أن تعقد في روما، وسيتم الاكتفاء بلقاء بين السفيرة اللبنانية في أميركا ندى حمادة معوض والسفير الإسرائيلي هناك يحيئيل ليتر، علماً أن لبنان كان لا يزال يشترط ضرورة تحقيق نتائج من هذه المفاوضات بما فيها انسحاب اسرائيل من مناطق تحتلها، وهو الأمر الذي ترفضه الأخيرة في هذه المرحلة، وتصرّ على عدم الانسحاب ما دامَ الجيش اللبناني لم يدخل إلى مواقع حزب الله ويعمل على سحب سلاحه. كما أنَّ الإسرائيليين ما زالوا يوصلون رسائل التهديد بأنه في حال لم يقدم الجيش على سحب سلاح الحزب وتفتيش المنازل والممتلكات الخاصة، فإنَّ إسرائيل ستتولى ذلك بنفسها وستعمل على تدمير المنازل التي لا يتم تفتيشها، كما أنَّ ما تريده تل أبيب في أي جولة مفاوضات مقبلة، هو البحث في وضع خطة جدية للعمل على سحب السلاح من شمال الليطاني، وهو الأمر الذي يرفضه حزب الله، ويرفضه الجيش أيضاً كي لا يدخل في مواجهة أو صدام مع الحزب. لكنه سيكون العنوان المطروح بشكل أساسي في المرحلة المقبلة، إما عبر الضغوط الأميركية والإسرائيلية المستمرة، أو في لقاء السفيرين اللبنانية والإسرائيلي في واشنطن، أو في أي جدول أعمال سيتم بحثه لأي جولة تفاوضية مقبلة، إلى جانب تحوّله إلى عنوان أساسي من عناوين السجال والانقسام في الداخل، إما خلال جلسة مناقشة عمل الحكومة في البرلمان، وإما في السجالات السياسية اليومية التي ستعزز الانقسام، وقد تدفع حزب الله للتصعيد أكثر ضد الحكومة، خصوصاً أنَّ هناك تحركات عديدة يمكن أن تشهدها الساحة الداخلية إما لأسباب معيشية تتحول إلى سياسية، أو وقفات احتجاج إحداها أمام المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى يوم الثلاثاء المقبل.

المصدر: almodon | المدن

شارك الخبر: