من بكركي إلى الديمان… دعوات إلى الدولة والوحدة والشراكة

حضرت الهواجس الوطنية بقوة في المواقف الروحية والسياسية التي صدرت الأحد، من عظتَي البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي ومتروبوليت بيروت للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة، إلى كلمات المشاركين في مؤتمر الوادي المقدس في الديمان. وتمحورت الرسائل حول أولوية الدولة ومؤسساتها، وحصرية السلاح، وتعزيز دور الجيش، ورفض الفساد والانقسام، إلى جانب التشديد على الحوار والعيش المشترك والشراكة الوطنية مدخلًا إلى حماية لبنان واستعادة استقراره.
الراعي: لا حزب أقوى من الدولة
وفي التفاصيل، احتفل صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة، بالقداس الإلهي الساعة العاشرة صباح اليوم الأحد 30 آب 2026، في الصرح البطريركي في الديمان. وعاونه المطران جوزيف نفاع النائب البطريركي على منطقتَي الجبّة وزغرتا، والمطران الياس نصّار النائب البطريركي في بكركي، والأب فادي تابت أمين السر العام للبطريركية المارونية، والخوري كميليو مخايل أمين السر الخاص، ولفيف من الكهنة.
وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، قال البطريرك الراعي في عظته:
“الوطنية ليست عاطفة موسمية، ولا خطابًا سياسيًا، ولا شعارات تُرفع عند الأزمات. إن محبة لبنان مسؤولية، ومن يحب وطنه حقًا يعمل لخلاصه. يحتاج لبنان اليوم إلى أشخاص يبرهنون عن محبتهم له بالأفعال.
فمحبة الوطن تعني أن نريده وطنًا كاملًا لجميع أبنائه، لا حصة لطائفة ولا ملكًا لفريق. وتعني تقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة، وصون المؤسسات والمال العام، واحترام القوانين، ورفض الفساد، وعدم جعل الطائفة أكبر من الوطن أو الحزب أقوى من الدولة”.
وتابع: “أن تحب لبنان يعني أن تتحمّل مسؤولية لبنان. محبة لبنان تعني أن نصون مؤسساته وماله العام، ونحترم قوانينه، ونرفض الفساد، ولا نجعل الطائفة أكبر من الوطن، ولا الحزب أقوى من الدولة، ولا المصلحة الخاصة فوق المصلحة العامة”.
وتوقّف البطريرك الراعي بصورة مباشرة عند مسألة حصرية السلاح بيد الدولة، مشدّدًا على وجوب ألّا تتحوّل هذه القضية إلى مواجهة بين اللبنانيين، أو إلى مادة لإثارة الشارع والانقسام الطائفي.
ووضع المسألة في إطارها المؤسساتي، معتبرًا أنها تتصل بقيام الدولة نفسها ووحدة مرجعيتها، وبأن يعيش جميع اللبنانيين تحت شرعية واحدة ومؤسسات واحدة.
فالدولة لا تُبنى بمنطق الغلبة ولا بهزيمة شريك، بل “باجتماع الشركاء جميعًا تحت سقفها”. ومن هنا، فإن حصرية السلاح ليست دعوة إلى صراع داخلي، بل دعوة إلى استكمال مفهوم الدولة التي تكون وحدها المرجعية الجامعة والحاضنة لجميع أبنائها.
وفي قراءته للواقع الوطني، عبّر البطريرك عن تطلّع اللبنانيين إلى أن تخرج المفاوضات والمساعي من دائرة الانتظار، وأن تبلغ نتائج تحفظ حقوق لبنان، وتوقف الاعتداءات، وتؤدي إلى الانسحاب من أرضه، وتعيد إليه الأمن والاستقرار.
وبذلك ربط بين السيادة والسلام. فالسلام الذي ينشده لبنان ليس تنازلًا عن حقوقه، كما أن السيادة ليست دعوة إلى الحرب؛ بل المطلوب أن يستعيد لبنان حقه في الأمن والاستقرار، وفي ممارسة سيادته على أرضه.
وأعطى البطريرك الراعي موقعًا أساسيًا للجيش اللبناني، واصفًا إياه بأنه “المؤسسة الوطنية الجامعة”، الحاملة أعباء حماية الأمن والاستقرار وبسط سلطة الشرعية.
ومن هنا، دعا الدول إلى تسليحه بما يلزم، لكي يستحق الالتفاف الوطني حوله، ويبقى حصن الوطن ومؤسساته. فالجيش، في رؤية العظة، ليس مؤسسة لفئة أو منطقة أو طائفة، بل نقطة اجتماع اللبنانيين حول الشرعية. وتقوية الجيش، بالتالي، هي تقوية للدولة نفسها ولقدرتها على حماية جميع أبنائها بلا تمييز.
وخصّ الراعي الجنوب بكلام حمل بُعدًا إنسانيًا ووطنيًا واضحًا، رافضًا أن يبقى “أرض انتظار وألم. فأهله يريدون العودة إلى قراهم وبيوتهم، والأرض تريد أبناءها، والمناطق المتضرّرة تنتظر إعادة الإعمار واستعادة الحياة.
وشدّد على أن أي تسوية تفقد معناها إذا لم يشعر الإنسان بالأمان فوق أرضه، وإذا لم يستعد لبنان سيادته على كامل ترابه.
فالسيادة هنا ليست مفهومًا دستوريًا مجرّدًا؛ إنها حق المواطن في أن يعود إلى منزله، وأن يعيش في قريته، وأن يشعر بالأمان، وأن يرى الحياة تعود إلى أرضه.
وجدّد البطريرك الراعي الدعوة إلى حياد لبنان الفاعل الذي يحميه من صراعات المحاور ويصون قراره الحر، من دون أن ينتقص ذلك من حقه في الدفاع عن أرضه وسيادته.
وأوضح أن لبنان مدعو لأن يبقى “وطن لقاء لا ساحة مواجهة، وجسر حوار لا ميدانًا لصراعات الآخرين”.
وهذه الرؤية للحياد لا تعني الانعزال عن قضايا المنطقة أو التخلي عن السيادة، بل تحرير القرار اللبناني من الارتهان إلى الصراعات الخارجية، لكي يستطيع لبنان أن يؤدي رسالته التاريخية كمساحة لقاء وتعدّد وحوار. ولبنان يستطيع أن يخرج من أسر أزماته عندما تصبح محبته فعلًا حقيقيًا يتجاوز الطوائف والأحزاب والمصالح.
فالخلاص، على المستوى الروحي والوطني معًا، يبدأ عندما يتغيّر القلب، وحين يتغيّر القلب تتغيّر النظرة، وحين تتغيّر النظرة يصبح ممكنًا بناء علاقة جديدة مع الآخر ومع الوطن.
عودة: لبنان أنهكته الكراهية
من جهته، ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. وبعد قراءة الإنجيل، ألقى عظة قال فيها:
“لقد تعلّم اللبناني أن يعيش وسط أزمات متلاحقة وحروب وضيقات، وأن يحمل في قلبه كثيرًا من التعب والخوف والقلق. قد يظن أنه يعيش في أرض لا تعطي ثمرًا، وأن كل ما يبنيه معرّض للانهيار. قد لا نستطيع تغيير كل شيء في بلدنا، لكننا نستطيع تغيير تفكيرنا الخاطئ ونمط حياتنا. نستطيع أن نكون محبّين، رحماء، أمناء في بيوتنا، صادقين في أعمالنا، مستقيمين في تعاملنا مع الآخرين، رافضين الفساد والكذب والظلم والرياء، حريصين على ألّا نضيف كراهية جديدة إلى بلد أنهكته الكراهية. فالكرم الذي وضعنا الله فيه ليس الكنيسة فقط، بل هو أيضًا البيت والمجتمع والوطن، وواجبنا السهر واليقظة والحفاظ على ما منحنا الله”.
وأضاف: “كل واحد منا يعيش اليوم داخل كرم أعطاه إياه الله، وسوف يأتي اليوم الذي يعود فيه صاحب الكرم ليسألنا عن الثمر. هل نقدّم له حياة فارغة آثمة، أم ثمرًا كثيرًا هو نتيجة الجهد الشخصي والاستجابة لمشيئته؟ نقول في القداس الإلهي: “التي لك، مما لك، نقدّمها لك”. هل ثمرنا هو الوزنات المعطاة لنا، أم أسأنا إلى الأخ والوطن وتسلّطنا على ما للغير، كما فعل كرّامو المثل الإنجيلي، وقتلنا ابنه؟ الكرم له. كل ما نفعله فيه يجب أن يكون استجابة لمحبته العظيمة. وهل من حب أعظم من أن يبذل أحد نفسه من أجل أحبائه؟ هل ندرك عِظَم هذه المحبة؟”.
الوادي المقدس… دعوة إلى الدولة والعيش المشترك
وفي سياق وطني متصل، حضرت الدعوة إلى الوحدة والعيش المشترك والدولة بقوة خلال افتتاح الدورة الثالثة من المؤتمر الدائم لتراث الوادي المقدس في الديمان، حيث التقت كلمات المرجعيات الروحية والرسمية على ضرورة حماية الشراكة الوطنية والتمسّك بالدولة ومؤسساتها.
وافتتحت رابطة قنوبين للرسالة والتراث، بالتعاون مع دير مار اسطفان للراهبات الأنطونيات وبرعاية البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، الدورة الثالثة من المؤتمر الدائم لتراث الوادي المقدس، تحت عنوان “الأبعاد الوطنية لتراث الوادي المقدس ومئوية الدستور اللبناني”.
ونُقلت الجلسة الافتتاحية إلى الصرح البطريركي في الديمان بسبب سوء الأحوال الجوية.
وأكد رئيس رابطة قنوبين، نوفل الشدراوي، أن لبنان يحتاج، في ظل التحوّلات التي تشهدها المنطقة، إلى المحافظة على دوره الحضاري بوصفه “الوطن الرسالة”، مشدّدًا على التمسّك بالدولة العادلة والقادرة، وعلى وحدة اللبنانيين والعيش المشترك.
وفي الكلمات الروحية، شدّدت كلمة شيخ العقل لطائفة الموحّدين الدروز، الشيخ سامي أبي المنى، على الحوار والتقارب بين المكوّنات اللبنانية، فيما أكدت كلمة مفتي الجمهورية، الشيخ عبد اللطيف دريان، أن تنوّع لبنان يجب أن يكون مصدر غنى لا سببًا للانقسام، داعيةً إلى تحويل الحوار إلى ممارسة يومية.
بدوره، أكد المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أن مئوية الدستور تستدعي تجديد الالتزام بالدولة والقانون والمؤسسات، مشدّدًا على الشراكة الوطنية الكاملة وقيام دولة عادلة وقادرة تحمي جميع مواطنيها.
كما اعتبرت كلمة بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، يوحنا العاشر اليازجي، أن الوادي المقدس يشكّل جزءًا من التراث الوطني المشترك، وأن الحفاظ عليه يجب أن يتحوّل إلى جسر للحوار والشراكة وبناء المستقبل.
وشكّلت كلمة رئيس الجمهورية جوزاف عون، التي ألقاها ممثله المحامي أنطوان صفير، محطةً بارزةً في المؤتمر، إذ أكد أن الوادي المقدس يمثّل جزءًا من ذاكرة لبنان وهويته القائمة على الحرية والتنوّع والحوار.
وشدّد صفير على أن مئوية الدستور مناسبة للتفكير في الدولة التي يريدها اللبنانيون، مؤكدًا أن “الخيار الذي لا بديل منه هو الدولة”، وأن يكون الجميع تحت سقفها ومؤسساتها، من دون أن تختزلها أي فئة أو طائفة. كما أكد أن لبنان لا يريد حروبًا جديدة، وأنه من حق الأجيال المقبلة أن تعيش بسلام يحفظ السيادة والكرامة.
وفي ختام الكلمات، أكد البطريرك الراعي أن المؤتمر يسعى إلى إبراز المشترك المسيحي ـ الإسلامي في تراث الوادي المقدس وأبعاده الوطنية، معتبرًا أن لبنان لا يقوم على إلغاء الاختلاف، بل على تحويله إلى مساحة للقاء والشراكة في ظل العدالة والمساواة أمام القانون.
وأشار إلى أن اللبنانيين، على الرغم من المحطات الصعبة، كانوا يعودون في اللحظات المصيرية إلى خيار الوحدة والعيش معًا، وهو ما تكرّس في الميثاق الوطني واتفاق الطائف، مؤكدًا أن لبنان لا يستطيع الاستمرار إذا استأثر به فريق أو أُلغي منه مكوّن.
ودعا الراعي إلى تحويل تراث الوادي من مجرّد ذاكرة تاريخية إلى قوة حيّة تعزّز الحوار والسلام والمصالحة بين اللبنانيين، معتبرًا أن المؤتمر يشكّل عملًا وطنيًا يساهم في تثبيت ثقافة العيش المشترك والحفاظ على لبنان وطنًا للحرية والتعدّدية والشراكة.
