لبنان

من الزعامات إلى دولة المؤسسات بعد فرص مهدورة

19 تموز, 2026

كتب خضر نجدي في نداء الوطن:

تقوم فكرة الدولة الحديثة على مجموعة من المبادئ التي يفترض أنها أصبحت من المسلمات السياسية في وقتنا الحاضر : السيادة، والاستقلال، وسيادة القانون، والمؤسسات القادرة على إدارة الشأن العام بعيداً عن الأهواء الشخصية والعائلية والطائفية. ومن البديهي أن يؤدي تراكم الخبرات والتجارب الإنسانية، وتطور التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا، إلى تقدم المجتمعات نحو أشكال أكثر عقلانية وفعالية من الحكم والإدارة. غير أن المتأمل في واقع الحياة السياسية اللبنانية، وفي عدد من الدول العربية التي تحمل اسم الدولة دون أن تستكمل شروطها الفعلية، يلحظ ظاهرة معاكسة تثير الاستغراب: فبدلاً من التقدم إلى الأمام، يبدو أن مسار التطور السياسي والاجتماعي يسير في اتجاه معاكس، وكأن عقارب الساعة تدور إلى الوراء.

لقد شهد العالم خلال العقود الأخيرة ثورة معرفية غير مسبوقة. فالتعليم بمراحله المختلفة، من المدرسة إلى الجامعة والمعاهد المهنية العليا، أصبح المصدر الأساسي لإنتاج المعرفة والخبرات والكفاءات. كما أتاح التطور التكنولوجي الهائل، وما رافقه من انتشار وسائل الاتصال والذكاء الاصطناعي، فرصاً غير محدودة للتعلم والتثاقف والاستفادة من تجارب الأمم الأخرى. وفي مثل هذه الظروف، يفترض أن تصبح المجتمعات أكثر قدرة على تطوير مؤسساتها وتجاوز الأطر التقليدية التي كانت تعيق تقدمها.

وتقدم تجارب دول عديدة أمثلة واضحة على هذا المسار. فدول مثل كوريا الجنوبية وتركيا انتقلت من أوضاع صعبة ومعقدة إلى مراحل متقدمة من التنمية الاقتصادية والمؤسساتية. ولعل التجربة التركية تكتسب أهمية خاصة في هذا السياق، لأنها تتعلق بمجتمع ذي غالبية مسلمة ويضم في الوقت نفسه تنوعاً إثنياً ومذهبياً واسعاً يشمل الأكراد والعلويين والمسيحيين وغيرهم.

لقد ارتبط التحول التركي الكبير بالمرحلة التي أعقبت انهيار الدولة العثمانية، حين طرح مصطفى كمال أتاتورك مشروع الدولة الحديثة القائم على مركزية المؤسسات وفصل الدين عن الدولة. صحيح أن هذا التحول فُرض في بداياته بقوة المؤسسة العسكرية، وأن التجربة التركية واجهت تحديات عديدة مرتبطة بنفوذ الجيش وتدخله المتكرر في الحياة السياسية، إلا أن النتيجة النهائية تمثلت في بناء منظومة مؤسساتية حالت دون احتكار السلطة من أي طرف، سواء كان عسكرياً أو دينياً.

ومن المفارقات اللافتة أن الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية التي وصلت إلى السلطة في تركيا خلال العقود الأخيرة، وفي مقدمتها حزب العدالة والتنمية، لم تتمكن من إعادة إنتاج نموذج الدولة الدينية بالمعنى التقليدي، لأن البنية المؤسسية التي ترسخت طوال عقود فرضت حدوداً واضحة على أي محاولة لإعادة دمج السلطة الدينية بالسلطة السياسية على نحو كامل. وهذا يؤكد أن قوة الدول لا تُقاس بطبيعة الحكومات المتعاقبة فحسب، بل بمدى رسوخ المؤسسات القادرة على حماية المجال العام من هيمنة الأفراد والجماعات.

وعند الانتقال إلى لبنان، وإلى عدد من الدول العربية التي تعاني أزمات مزمنة متشابهة، يمكن تلمس جذور المشكلة في الإصرار المستمر على إعادة إنتاج أنماط سياسية تجاوزها الزمن. فبدلاً من الانتقال التدريجي من حكم الأشخاص إلى حكم المؤسسات، ما زالت قطاعات واسعة من الحياة السياسية تدور حول فكرة الزعيم الفرد، وكأن التجارب المريرة التي عاشتها هذه المجتمعات لم تكن كافية لإثبات حدود هذا النموذج وعجزه عن إدارة الدولة الحديثة، لا بل اسهمت في تحميل الافراد والجماعات اثمانا باهظة من مستقبلهم وحياتهم المباشرة، وليس ادل على ذلك ما اصاب اللبنانيين اثرالانهيار المالي الذي قضى على مدخرات اللبنانيين وعلى مداخيل الموظفين في القطاعين الرسمي والخاص، وكذلك حرم المتقاعدين من الأمل بحياة لائقة بعدما اصبحت مداخيلهم التقاعدية لا تكفي لشراء ادويتهم.

رغم انه في الحالة اللبنانية تحديداً، برزت خلال عهد الرئيس فؤاد شهاب محاولة جدية لبناء دولة المؤسسات حيث شهدت تلك المرحلة تأسيس إدارات عامة حديثة، وتم تعزيز دور أجهزة الرقابة، وتوسيع الخدمات العامة، وإرساء قواعد الإدارة المهنية. كما بدأت الدولة تلعب دوراً متزايداً في تأمين التعليم والصحة والخدمات الأساسية، بما يسمح للمواطن بالتحرر التدريجي من الارتهان للزعيم المحلي أو الطائفي.

وفي السياق نفسه، شكل إنشاء الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي خطوة مفصلية في بناء مفهوم الدولة الراعية، وهو المفهوم الذي قامت عليه الدول الصناعية الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أصبح الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية والتقاعد من الحقوق الأساسية للمواطنين. وكان من المفترض أن يشكل هذا المسار قاعدة للانتقال نحو دولة المواطنة والمؤسسات.

غير أن ما جرى لاحقاً سار في اتجاه مختلف. فبدلاً من استكمال بناء الدولة، عادت الزعامات التقليدية والطائفية لتحتل مركز الحياة العامة، وأعيد إنتاج شبكات الولاء الشخصي على حساب الكفاءة والمؤسسات. ومع مرور الوقت، لم يعد معيار التقدم في كثير من المواقع العامة هو الخبرة أو الإنجاز أو الكفاءة، بل القرب من مراكز النفوذ السياسي والطائفي.

ومن هنا يصبح سبب تكرار الأزمات والحروب والانهيارات غير مستهجن. فالمشكلة لا تكمن فقط في النزاعات السياسية أو في التدخلات الخارجية، بل في البنية الداخلية التي تعيد إنتاج الضعف ذاته مرة بعد أخرى. وحين تُدار المؤسسات الثقافية والعلمية والتربوية بعقلية المحاصصة والولاء، يصبح الانحدار نتيجة طبيعية لا استثناءً.

ولعل من أكثر المؤشرات دلالة على هذا التراجع والذي يشكل خطرا يوازي خطر الحروب، حين يتم السماح لتبوء أعلى المراكز الثقافية (رئيس اتحاد الكتاب اللبنانيين وأمين عام اتحاد الكتاب العرب) لأفراد لا تستطيع العثور على قصاصة صغيرة مدونة أو مكتوبة باسمهم، اذ تمت تسميته من قبل زعيمه أو زوجته، ولا يعفي هذا الواقع ركون من تمثل هذه التسمية شأنهم، الا اذا كانت حالهم شبيهة بصاحب التسمية؟ وهذا يناقض المنطق أو بعض ما هو واقع الكتاب في عالمنا العربي.

وينطبق الأمر ذاته على المؤسسات التعليمية والجامعية، التي يفترض أن تكون خزانات الفكر والنقد وإنتاج المعرفة. فالجامعة ليست مجرد مؤسسة تمنح الشهادات، بل هي مصنع للنخب القادرة على قيادة المجتمع وتطويره. وعندما تخضع إدارتها للتوازنات السياسية والمحاصصات الفئوية كما حصل مؤخرا في الجامعة اللبنانية ، فإنها تفقد دورها التاريخي بوصفها أداة للتقدم الاجتماعي والثقافي.

إن الأزمة اللبنانية، في جوهرها، ليست أزمة أشخاص بقدر ما هي أزمة انتقال غير مكتمل من مجتمع الزعامات إلى مجتمع المؤسسات. فالدول التي نجحت في تحقيق التنمية والاستقرار لم تفعل ذلك لأنها امتلكت زعماء استثنائيين فحسب، بل لأنها نجحت في بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار بعد رحيل الزعماء. أما المجتمعات التي بقيت أسيرة الولاءات الشخصية والطائفية، فإنها تجد نفسها مضطرة إلى إعادة خوض المعارك نفسها، ودفع الأثمان نفسها، جيلاً بعد جيل.

أمام ما تقدم، يصبح من الصعب تصور أي مخرج حقيقي من دوامة الحروب والأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي نعيشها، وخصوصا امام التحدي الكبير الذي يطرح الآن ، الا من خلال مؤسسات الدولة المظلة التي تساعد في الخروج من براثن الاحتلال واطماعه ، ، وان الانعتاق من كل المآسي التي نعيشها لا يكون من خلال الارتهان للأفراد والزعامات مهما بلغت شعبيتهم أو نفوذهم، بل عبر ترسيخ قواعد العمل المؤسسي القادر على الاستفادة من الخبرات المتراكمة ومنجزات المعرفة الإنسانية.

كما أنه من الضروري عدم التفريط بفضيلة التثاقف والتعلم من تجارب الآخرين، وهي فضيلة مارسناها في جوانب كثيرة من حياتنا الاجتماعية والثقافية، فيما أهملناها في إدارة الشأن العام. فالدول التي نجحت في تحقيق الاستقرار والتنمية لم تفعل ذلك لأنها امتلكت أفراداً أكثر ذكاءً من غيرهم، بل لأنها نجحت في تحويل المعرفة والخبرة المتراكمة إلى مؤسسات وقواعد عمل وآليات رقابة ومحاسبة تضمن استمرارية الدولة وتطورها.

ولعل المؤسسات الحديثة تمثل، بالمعنى المجازي، شكلاً من أشكال «الذكاء الاصطناعي الاجتماعي» الذي أنتجته البشرية عبر قرون من التجربة والخطأ والتعلم. فهي تختزن خبرات الأجيال السابقة، وتؤمن استمرارية العمل العام بمعزل عن تبدل الأشخاص وتغير موازين القوى. ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار للمؤسسات ليست مجرد خيار إداري أو سياسي، بل هي شرط أساسي لبناء دولة قادرة على حماية مواطنيها وصون مصالحهم ومنع تكرار الكوارث التي دفعت المجتمعات أثمانها الباهظة جيلاً بعد جيل. فإما أن ننتقل من مجتمع الزعامات إلى مجتمع المؤسسات، وإما أن نبقى أسرى الحلقة نفسها من الأزمات والصراعات التي عطلت قيام الدولة وأخرت تقدم المجتمع، وأسرى الأهواء الذاتية القاتلة…

المصدر: نداء الوطن/nidaa el watan

شارك الخبر: