لبنان

من لبنان إلى هرمز… كيف أعادت الحرب تشكيل ساحات المواجهة؟

14 تموز, 2026

قبل أسابيع فقط، بدا أن المنطقة التقطت أنفاسها بعد واحدة من أخطر المواجهات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث ساد اعتقاد بأن وقف إطلاق النار فتح الباب أمام واقع مختلف، وأن الوسطاء نجحوا، ولو مؤقتاً، في انتشال المنطقة من حافة الانفجار. إلا أن التطورات المتسارعة اليوم تعيد طرح السؤال حول حقيقة الهدوء الذي ساد خلال الأسابيع الماضية. فالهدوء الذي أعقب الحرب لم يكن مؤشراً إلى انتهاء الصراع، بقدر ما كان استراحة فرضتها ضرورات المرحلة على جميع الأطراف، ريثما تُعاد صياغة قواعد الاشتباك من جديد.

وتؤكد مصادر دبلوماسية مواكبة لمسار الاتصالات أن ما سُمّي بمرحلة خفض التصعيد لم يكن، منذ البداية، مشروع تسوية سياسية بقدر ما كان إجراءً مؤقتاً لمنع اتساع الحرب. فالوسطاء نجحوا في تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة تفعيل مسار الاتصالات بين واشنطن وطهران، لكنهم لم ينجحوا في معالجة الملفات التي كانت سبباً في اندلاع المواجهة. إذ بقيت الخلافات حول البرنامج النووي، والعقوبات الأميركية، وترتيبات الأمن الإقليمي، والدور الإيراني في المنطقة، على حالها، ما جعل الهدنة أقرب إلى إدارة مؤقتة للأزمة منها إلى حل سياسي قابل للحياة.

عملياً، لم تشهد المرحلة التي أعقبت الحرب أي تبدل جوهري في جوهر الخلاف بين واشنطن وطهران. فبحسب المصادر نفسها، انصبّ الجهد على منع تجدد المواجهة، فيما بقيت الملفات الأساسية معلقة، وهو ما منح الطرفين وقتاً لإعادة ترتيب أوراقهما أكثر مما منحهم فرصة لبناء تسوية جديدة، حيث أعادت إيران ترتيب أولوياتها وترميم عناصر ردعها، فيما سعت الولايات المتحدة إلى تثبيت ما اعتبرته مكاسب سياسية وأمنية من دون الانجرار إلى مواجهة أوسع. وبين هذا وذاك، بقيت الملفات الخلافية بانتظار الجولة التالية. وعليه، لم يكن الهدوء الذي أعقب الحرب تعبيراً عن تسوية نضجت، بقدر ما كان انعكاساً لتوازن مؤقت فرضته حسابات الطرفين.

غير أن التطور الأبرز لا يتعلق بعودة التصعيد بحد ذاتها، بل بتبدل ساحاته. فخلال الجولة السابقة، شكّل لبنان إحدى أبرز أوراق الضغط في المواجهة الإقليمية، وكانت الجبهة الجنوبية حاضرة في صلب الحسابات الإسرائيلية والأميركية. إلا أن المصادر ترى أن المعادلات التي نشأت بعد “اتفاق الإطار” فرضت واقعاً مختلفاً، جعل أي محاولة لإعادة توسيع الحرب من البوابة اللبنانية أكثر تعقيداً وكلفة، ليس فقط بالنسبة إلى إسرائيل، وإنما أيضاً بالنسبة إلى واشنطن التي دفعت باتجاه تثبيت التفاهمات التي أعقبت الحرب. بيد أن هذا التحول لم يُخرج لبنان من معادلة الصراع، بل أعاد تعريف الدور الذي يؤديه، بعدما تراجع هامش استخدامه كورقة ضغط قياساً بما كان عليه خلال الجولة السابقة.

ومع تراجع فاعلية هذه الورقة، أخذ مركز الثقل ينتقل تدريجياً نحو الخليج، حيث تشير المصادر إلى أن “مضيق هرمز” عاد ليتصدر المشهد باعتباره ورقة الردع الأكثر تأثيراً. فالمواجهة هناك لا تتعلق بالملاحة وحدها، بل بقدرة كل طرف على التأثير في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، وهو ما يمنح أي تصعيد في هذه الساحة أبعاداً تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية. ومن هنا، يبدو أن مركز الصراع أخذ يتحول تدريجياً نحو هذه الساحة، التي باتت تمس مصالح العالم بأسره، وتلقي بتداعياتها على ما هو أبعد من أطراف المواجهة المباشرة.

ولعل ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً أن الأزمة لم تعد محصورة بين واشنطن وطهران، بل امتدت إلى داخل مؤسسات القرار في البلدين. فوفق المصادر، لم تفرض الحرب وقائع جديدة على الأرض فحسب، بل فرضت أيضاً توازنات سياسية جديدة جعلت هامش المناورة أضيق لدى الطرفين. ففي طهران، ارتفعت كلفة أي تنازل يمكن أن يُفسّر على أنه تراجع تحت الضغط، فيما تجد الإدارة الأميركية نفسها أمام معادلة معاكسة؛ فهي لا تريد حرباً إقليمية واسعة، لكنها لا تستطيع في الوقت نفسه العودة إلى تفاهم لا يحقق لها مكاسب سياسية واضحة في الملف النووي أو في ترتيبات الأمن الإقليمي.

ومن هنا، ترى المصادر أن الأزمة الحالية لا تتمثل في انقطاع الاتصالات بين واشنطن وطهران، فهي لا تزال مستمرة عبر الوسطاء، بل في غياب الأرضية السياسية التي تسمح بتحويل هذه الاتصالات إلى اتفاق جدي، حيث يدرك الطرفان أن كلفة الحرب الشاملة لا تزال مرتفعة، لكنهما يدركان أيضاً أن العودة إلى التفاهم السابق أصبحت أكثر صعوبة بعدما استنفد الغاية التي أُبرم من أجلها، والمتمثلة في احتواء التصعيد وتأجيل الانفجار، من دون أن ينجح في تأسيس تسوية سياسية مستدامة.

وفي ضوء ذلك، لا تبدو المنطقة اليوم مقبلة على حرب شاملة بقدر ما تبدو أمام واقع طويل من الاشتباك المنخفض الوتيرة، تُدار فيه المواجهة عبر الضغوط العسكرية والاقتصادية، والرسائل الأمنية، وإعادة رسم قواعد الردع، أكثر مما تُدار عبر معارك مفتوحة. وتلتقي تقديرات عدد من الأوساط الدبلوماسية والسياسية على أن الأشهر المقبلة ستبقى محكومة بهذا التوازن الهش، حيث لا سلام حقيقياً يفرض الاستقرار، ولا حرب واسعة تفرض الحسم.

وعليه، قد يكون من المبكر الحديث عن عودة الحرب، تماماً كما كان من الخطأ الاعتقاد، عقب وقف إطلاق النار، أنها انتهت. فالهدوء الذي أعقب وقف إطلاق النار لم يكن سوى محطة انتقالية أعادت خلالها الأطراف توزيع أوراقها وساحات ضغطها وأولوياتها. وإذا كانت الحرب قد غيّرت خرائط النفوذ، فإن ما يجري اليوم يرسم خرائط الاشتباك المقبلة، وهي خرائط قد تكون أقل صخباً من المواجهة العسكرية المباشرة، لكنها، في المدى البعيد، ستكون أكثر تأثيراً في تحديد شكل التوازنات التي ستقوم عليها المنطقة خلال السنوات المقبلة.

المصدر: “لبنان 24”

شارك الخبر: