لبنان

تيريزا وخدعة البيجر: كيف سقطت شبكة الحزب من الداخل؟

22 أيار, 2026

فوجئ العالم بأسره تقريبًا في 17-18 أيلول 2024 عندما نجح الموساد في إسقاط “جيش حزب الله” الذي يملك 150,000 صاروخ، في لحظة واحدة عبر “أسطول” من أجهزة النداء (البيجر) المتفجرة. أو بالأحرى، فوجئ العالم كله تقريبًا، باستثناء عناصر الموساد ومسؤولي الدفاع الذين نفذوا العملية، مثل “آدم فاين”، الذي نشر مؤخرًا كتابًا بالعبرية بعنوان هدآه غوراليت (رسالة قدرية) حول العملية، وأجرى أول مقابلة له باللغة الإنجليزية مع صحيفة جيروزاليم بوست.

في مقابلته مع الصحيفة وفي كتابه، كشف فاين سلسلة من الإفادات الدرامية المذهلة حول العملية.

وتشمل هذه الإفادات كيف استدرج الموساد عنصرًا من حزب الله إلى كمين لمنعه من كشف أمر أجهزة النداء؛ والقصة الحقيقية حول مدى اقتراب إيران من كشف المخطط؛ وتفصيل مدى صعوبة جعل حزب الله يخفف من شكوكه بما يكفي لشراء أجهزة النداء؛ وكيف تم استخدام أطراف ثالثة دون علمها لتمرير الصفقة إلى حزب الله؛ وكيف حاول الموساد لاحقًا تعويض بعض هذه الأطراف غير المدركة عندما أمكن ذلك؛ وكيف تم تحويل صالة الألعاب الرياضية والعديد من مناطق الترفيه في الموساد فعليًا إلى خط تجميع لأجهزة النداء عندما اضطر الجهاز إلى تسريع الإنتاج ولم تكن لديه مساحة كافية ضمن مناطق عمله المعتادة.

كما قدّم فاين في المقابلة وفي الكتاب رؤى جديدة وتفاصيل عن لحظات استراتيجية حاسمة راهن فيها كبار مسؤولي الموساد أو غيرهم من المسؤولين الإسرائيليين على قرارات غير مضمونة النتائج، رغم أنّ “الخيار الصحيح” كان محاطًا بضباب من عدم اليقين.

فاين تقاعد مؤخرًا من المؤسسة الدفاعية بعد عقود من العمل في العمليات، بما في ذلك كأحد كبار المديرين الذين يمتلكون معلومات داخلية عن عملية أجهزة النداء. وقد ينفذ أعمالًا مستقبلية أخرى مع المؤسسة الدفاعية، ولذلك نشر الكتاب باسم مستعار لحماية هويته. ومن الأمور الأخرى المتعلقة بالكتاب أنه كُتب كعمل شبه خيالي، لكنه يستند بدقة إلى تاريخ داخلي حقيقي لما حدث، ولا يعرفه سوى هو وعدد صغير من كبار مديري الموساد ومسؤولي الدفاع.

أفضل طريقة لفهم مزيج الحقيقة والخيال في الكتاب هي أنّ الغالبية العظمى من الأفعال التي قام بها مسؤولو الموساد المذكورون فيه، وخاصة رئيس الموساد دافيد برنيا (المشار إليه فقط بـ “رئيس الموساد”)، حدثت فعلاً، لكن أحيانًا يتم دمج عدة شخصيات حقيقية في شخصية واحدة لتبسيط السرد، الذي قد يصبح معقدًا ويبطئ الإيقاع. وهذا هو الفرق أحيانًا بين النسخ السينمائية لعمليات الاستخبارات وبين الواقع. في كلتا الحالتين، تكون النتيجة النهائية مدهشة وتخطف الأنفاس، لكن في الواقع تأتي الدراما بعد خطوات بطيئة وشاقة ودقيقة من عمل استخباراتي معقد لا يفهمه أو يتحمله عامة الناس.

استدراج عنصر من حزب الله لمنع كشف الأجهزة

بحسب الكتاب، في تموز 2024، اتصل رئيس الموساد برئيس سلاح الجو (تومر بار في الواقع)، الذي أرسل عقيدًا كبيرًا من عمليات سلاح الجو إلى اجتماع حساس جدًا مع الموساد، وهو اجتماع لا يحضره عادةً أطراف خارجية (بما في ذلك الجيش الإسرائيلي). حذر مسؤولو الموساد الضابط من أنّ عنصرًا من حزب الله يقترب جدًا من كشف أنّ أجهزة النداء مفخخة، وطلبوا من سلاح الجو قتله لإنقاذ العملية. وكان ذلك قبل حوالي شهرين فقط من تفعيل الأجهزة. في الكتاب، رد ضابط سلاح الجو بأنه يحتاج إلى أن يقوم الموساد بخداع عنصر حزب الله التقني لإخراجه من بيروت، وأن يزوّدوه بموقعه الدقيق عند مغادرته.

بعد ذلك، يقول الكتاب إنّ مسؤولين في الاستخبارات والدفاع الإسرائيليين خدعوا عنصر حزب الله للسفر إلى جنوب لبنان، حيث تم قصفه وقتله. وعندما سُئل فاين عن هذه العمليات، قال لصحيفة جيروزاليم بوست: “الأمر حساس جدًا. الوضع كان إشكاليًا. كانت هناك أكثر من حالة إشكالية كان على الموساد التعامل معها. أحيانًا كانت المشاكل تُحل من تلقاء نفسها أو بسهولة أكبر، وأحيانًا كان على الموساد أن يتدخل”. ولم يؤدِّ هذا إلى إنهاء شكوك حزب الله.

وذكر الكتاب أنّ الحزب حاول أن يسأل الشركة المصنعة، غولد أبولو، عن الرسالة الأخيرة التي أرسلها عنصر حزب الله التقني قبل أن يتم استدراجه وقتله. وقد اعترض الموساد هذه الرسالة، وعلى أي حال قام الجهاز بتأخير عملية التدقيق لدى حزب الله بما يكفي للوصول إلى مرحلة اتخاذ قرار استخدام الأجهزة.

مدى اقتراب إيران من كشف العملية

وفقًا للكتاب، وبالتوازي مع شكوك عناصر حزب الله المختلفة وإجرائهم فحوصات متعددة على الأجهزة، طلبوا أيضًا من إيران إجراء فحص خاص بها. وشمل ذلك ترتيب لقاء بين عنصر من حزب الله ومسؤول في الحرس الثوري الإيراني أثناء سفره إلى طهران ليتمكن من عرض جهاز نداء عليه.

وقد ذكرت الصحيفة سابقًا، بناءً على مقابلات حصرية متعددة، أنّ هناك خلافًا بين كبار مسؤولي الجيش الإسرائيلي وكبار مسؤولي الموساد حول سبب وتوقيت تفعيل الأجهزة. إذ يرى الجيش الإسرائيلي أنّ الإيرانيين كانوا على وشك كشف العملية، ما اضطرهم إلى تنفيذها مبكرًا. بينما يرى الموساد أنّ هناك عدة نقاط كان فيها خطر الكشف قائمًا، وأن منتصف أيلول 2024 كان مجرد واحدة منها، وأن سببًا إضافيًا مهمًا هو قرار حكومي حديث بتحويل التركيز الاستراتيجي من غزة إلى لبنان.

وأوضح فاين في كتابه أنّ الفحص الإيراني كان في تلك اللحظة الأخطر، لأن إيران تمتلك قدرات فحص تقنية أعلى من حزب الله. وقال إن إسرائيل، كما تريد إشراك الولايات المتحدة ضد إيران بسبب قدراتها الخاصة، كانت قلقة بشكل خاص من أن تكشف إيران العملية أكثر من حزب الله.

نقاش داخل حزب الله حول الأجهزة

بحسب الكتاب، دار داخل حزب الله نقاش واسع حول شراء أجهزة النداء. كان هناك معارضون للصفقة. وقد أصبحوا أكثر شكًا لأنّ أي شركة تعرض منتجًا عليهم تُثير الريبة، بخلاف الحالات التي يطلب فيها الحزب المنتج بنفسه. وأوضح الكتاب أنّ المعارضين قالوا إنه يجب أولًا إجراء فحص شامل ودراسة بدائل متعددة.

وقال فاين: “أحد الأمور التي ساعدت في تمرير الصفقة هو أنّ الجهاز القديم الذي كانوا يستخدمونه لم يعد يعمل لفترة طويلة ولم يعد يُباع، ما جعلهم مضطرين للتغيير مهما كان الأمر”. وأضاف أنّ هناك ضغطًا عليهم للإسراع، وأنّ أي تغيير في الأجهزة لديهم يُعتبر مخاطرة ويتطلب مراجعة سوق جديدة.
كما أشار إلى أن أي تغيير في سلسلة التوريد كان سيؤدي إلى تدقيق شديد من الحزب نفسه. ولذلك كانت نافذة الفرصة ضيقة جدًا أمام الموساد.

كيف أقنعت “تيريزا” حزب الله

بحسب الكتاب، في آذار 2024، تلقت “تيريزا” اتصالًا من حزب الله لرفع الطلب من 500 جهاز سنويًا إلى 5000 جهاز. هذا الارتفاع الكبير لم يحدث بشكل طبيعي، بل كان جزءًا من حملة نفذتها مديرة في الموساد تُدعى “إينات”، والتي تواصلت مع تيريزا تحت هوية سيدة أعمال اسمها “ليلي”. وكانت تيريزا تعمل مع شركة حقيقية لديها تعاملات سابقة مع حزب الله، ولم تكن تحت سيطرة إسرائيل.

وتمكنت “ليلي” من توجيه “تيريزا” في كيفية التعامل مع رئيس شركة غولد أبولو، مما أدى في النهاية إلى نجاح الصفقة وتوسّعها بشكل كبير.

وهنا يثير الكتاب مسألة أخلاقية تقريبية. فكما تحاول الجيوش التي تلتزم بالقانون الدولي تقليل الأضرار الجانبية، يحاول الموساد القيام بذلك أيضًا، لكن ذلك ليس ممكنًا دائمًا. وفي هذه العملية، كان مالك ومدير شركة وسيطة تُدعى BAC Consulting، وهي امرأة اسمها كريستينا بارسوني-أركيدياكونو، تظهر في لحظة في مقابلة إعلامية ثم تختفي في اللحظة التالية.

وقال فاين دون تأكيد تفاصيل محددة: “نحن نعمل على ذلك، نحاول تقليل الأضرار الجانبية، ونراجع أخلاقيًا قبل تجنيد أو التعامل مع شخص ما: هل هذا مقبول؟ هل هو مبرر؟ هل الغاية تبرر الوسيلة؟”.

خط تجميع أجهزة النداء

بحسب الكتاب، عندما تلقى الموساد طلب 5000 جهاز في آذار 2024، لم يحتفل المسؤولون، بل عارض العديد منهم الفكرة لأن إنتاج هذا العدد كان صعبًا للغاية لوجستيًا، وقد يؤدي إلى أخطاء تكشف العملية بالكامل. لكن رئيس الموساد أصر، وأمر بإعادة توزيع الموارد وتحويل الأقسام للعمل على الإنتاج.

ورغم ذلك، اعترض مسؤولون كبار على أنّ المكان غير كافٍ، فتم تحويل صالة الألعاب الرياضية ومناطق الترفيه داخل الموساد إلى خط تجميع سري.

ويصف الكتاب مشهدًا ساخرًا حيث وصل عناصر الموساد إلى الصالة لممارسة الرياضة فوجدوا أنها أصبحت منطقة “نشاط سري”، وتم منعهم من الدخول.

وقال فاين: “تم بذل جهود هائلة لتنفيذ هذا الطلب. لا توجد معجزة، لا يمكن فعل ذلك دفعة واحدة أو في مكان واحد”.

نقاشات حول العملية

يذكر الكتاب نقاشًا داخليًا في الموساد عام 2019 حول إطلاق عملية تخريبية جديدة موازية لعملية أجهزة الاتصال اللاسلكي (الووكي توكي). وقد أثار ذلك اعتراضات قوية داخل الجهاز.

وكان السؤال الأساسي: ماذا لو انكشفت الأجهزة القديمة؟ فقد يؤدي ذلك إلى فقدان قدرة استخباراتية مهمة تم بناؤها على مدى سنوات.

وفي النهاية، قرر نائب رئيس الموساد المضي في الفكرة.

أجهزة النداء: سبتمبر أم أكتوبر؟

في اجتماع عسكري في مقر الجيش الإسرائيلي، قال رئيس الأركان (هرتسي هاليفي) إنه لا ينبغي الدخول في حرب في توقيت غير مناسب، مشيرًا إلى ضرورة الحذر في التوقيت. وفي اجتماع لاحق مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، كرر نفس التحذيرات.

لكن الموساد رأى أنّ العملية أصبحت في مراحل متقدمة جدًا، وأنّ تأجيلها قد يؤدي إلى كشفها.

وفي النهاية، اتُّخذ القرار بتنفيذها في أيلول، واعتبر فاين أنّ القرار كان صحيحًا.

بعد عملية أجهزة النداء

يناقش الكتاب ما إذا كان يجب استخدام أجهزة الووكي توكي مباشرة بعد عملية النداء، أم الانتظار. وكان الجيش الإسرائيلي يفضل الانتظار، لكن في النهاية تم استخدامها في اليوم التالي.

وقد أدى ذلك إلى حالة من الارتباك الشديد داخل حزب الله، ومهّد لاحقًا لعمليات عسكرية أوسع.

الثمن العائلي

يعترف فاين بأنّ العمل في هذه العمليات كان له ثمن كبير على العائلات، وأن الحفاظ على الحياة العائلية كان تحديًا كبيرًا لعناصر الاستخبارات.

ويقول إن بعض العاملين يأخذون فترات راحة من الخدمة لاستعادة حياتهم الطبيعية.

وفي النهاية، يرى أن العائلات القوية يمكن أن تتحمل هذا الضغط بل وقد تزداد قوة.

الخاتمة

يؤكد الكتاب أن عملية أجهزة النداء كانت نتيجة سنوات من التخطيط الاستخباراتي المعقد، والخداع داخل سلاسل التوريد، والنقاشات الاستراتيجية داخل إسرائيل، وأنّ نجاحها اعتمد على توقيت دقيق جدًا وظروف حساسة للغاية.

شارك الخبر: