خلف: “الحرب لا تبرّر تكرار الخطأ: لا تمويل للدولة من أموال المودعين”

كتب أمين عام جمعية مصارف لبنان فادي خلف في افتتاحية تقرير شهر آذار:
في ظلّ الحرب الدائرة وما تفرضه من ضغوطٍ استثنائية على الدولة ومؤسساتها، يبرز من جديد سؤال لا يجوز التهاون في مقاربته: هل تعود الدولة إلى طلب تمويل احتياجاتها من مصرف لبنان؟ وإذا حصل ذلك، فمن أين سيأتي هذا التمويل؟ هل من أموال الدولة لديه، ومعظمها بالليرة اللبنانية، أم من أموال المودعين بالدولار عبر الاحتياطي العائد للمصارف؟ إنّ الاحتمال الأخير مرفوضٌ رفضاً قاطعاً، لأنّ الحرب، مهما اشتدّت، لا تبرّر العودة إلى الخيارات نفسها التي أسهمت في تبديد الحقوق وتقويض الثقة. كما أنّ القطاع المصرفي، ومعه المودعون، يعوّلون على حسّ المسؤولية والشفافية المعهودة لدى سعادة حاكم مصرف لبنان للوقوف سدّاً منيعاً أمام أي ضغوطٍ من شأنها إعادة استعمال أموال المودعين في غير موضعها.
وانطلاقاً من ذلك، لا بدّ من تثبيت جملة من الحقائق الأساسية:
– أولاً، إنّ أموال المودعين ليست مورداً بديلاً لتمويل الدولة، ولا يجوز، تحت أي ظرف، استخدامها لتغطية الحاجات العامة أو النفقات الطارئة.
– ثانياً، إنّ أموال المودعين تبقى حقوقاً خاصة عائدة لأصحابها، ولا يجوز العودة إلى الخلط بين المال العام وحقوق الملكية الخاصة.
– ثالثاً، إنّ أي مساس بالاحتياطي العائد للمصارف لدى مصرف لبنان يقوّض أي إمكانية جدّية لردّ الودائع في المستقبل.
– رابعاً، إنّ العودة إلى هذا الخيار من شأنها أن تنسف ما تبقّى من الثقة بالقطاع المصرفي، وبمصرف لبنان، وبالدولة اللبنانية على حدٍّ سواء.
– خامساً، إنّ المصارف اللبنانية، لم تعد تحتمل مزيداً من التأخير في حسم الإطار القانوني الذي يحفظ استمراريتها ويحصّنها ضدّ استعمال الدولة لأموالها وأموال المودعين.
– سادساً، إنّ تأجيل الانتخابات النيابية يفترض أن يتيح للمجلس النيابي فسحة أوسع للتفرّغ للملفات الإصلاحية الكبرى، وفي مقدّمها مشروع قانون الانتظام المالي.
– سابعاً، إنّ الإسراع في إقرار القوانين أمرٌ ضروري، شرط أن تكون قابلة للتطبيق.
– ثامناً، إنّ حماية المودعين واستمرارية المصارف ليستا هدفين متناقضين، بل هدفين متلازمين، لأنّ تصفية المصارف لا تحمي الودائع، بل تضعها في مهبّ الريح.
بناءً عليه، إنّ المرحلة الراهنة تفرض التمسك بثابتتين لا يجوز التفريط بهما:
– لا تمويل للدولة من أموال المودعين،
– لا تعافياً حقيقياً من دون قوانين عادلة وقابلة للتطبيق.
وكل ما عدا ذلك لن يؤسّس لتعافٍ حقيقي، بل لمسارٍ جديد من التعثّر، يعيد إنتاج الأزمة نفسها بعد سنوات قليلة، وبأثمان أشدّ فداحة.
