بعد 7 أعوام… هل اقترب اللبنانيون فعلاً من استرداد ودائعهم؟

قبل أيام، اختتمت بعثة صندوق النقد الدولي زيارتها إلى لبنان من دون التوصل إلى اتفاق نهائي، في وقت تركزت فيه النقاشات على الإصلاحات المصرفية والمالية. وحثّ خبراء الصندوق على تعديل قانون معالجة أوضاع المصارف والفجوة المالية بما ينسجم مع المعايير الدولية، ويضمن حماية حقوق المودعين.
وفي هذا الإطار، أوضح وزير المالية ياسين جابر أن النقاشات مع صندوق النقد ركزت بصورة أساسية على تحديد المسار المطلوب لقانون الفجوة المالية، باعتباره الملف الأبرز في المرحلة الراهنة. وشدد على أن “معالجة الأزمة المصرفية التي مضى عليها 7 أعوام لم تعد تحتمل مزيداً من التأخير”، مشيراً إلى أن الجهود تنصب على إنجاز القانون بالتعاون مع مجلس النواب، وبدعم من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، بما يتيح البدء باستعادة أموال المودعين وإعادة القطاع المصرفي إلى دوره في خدمة الاقتصاد اللبناني.
من جهته، أكد حاكم مصرف لبنان كريم سعيد أن “العمل على قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع مستمر”، مشيراً إلى إدخال تعديلات إيجابية على القانون، وإلى أن مصرف لبنان يواكب هذا المسار باعتباره جزءاً أساسياً من مسؤولياته.
لكن هل بدأ فعلاً مسار استرداد الودائع؟ وهل تكفي الآليات القائمة لضمان معاملة عادلة للمودعين والمصارف على حد سواء؟
حماية موحدة… وقدرات مصرفية مختلفة
يقول الدكتور محمد فحيلي، خبير المخاطر المصرفية والباحث الاقتصادي لـ “لبنان 24″، إن قانون الفجوة المالية واسترداد الودائع يمكن أن يشكّل “أرضية وطنية موحدة لحماية صغار المودعين”، انطلاقاً من أن الحماية الاجتماعية لا ينبغي أن تعتمد على اسم المصرف الذي أودعوا فيه أموالهم.
إلا أن ما يتجاوز هذه الأرضية، بحسب فحيلي، يجب أن يرتبط بقدرة كل مصرف وموارده الخاصة، بما يعني اعتماد حد أدنى موحد لحماية المودعين، مع تفاوت سرعة الاسترداد بحسب القدرة الفعلية لكل مصرف.
ويشدد فحيلي على أن “المصرف الذي يمتلك سيولة حرة وربحية تشغيلية وعلاقات مراسلة سليمة يجب أن يدفع أكثر من الحد الأدنى المحدد في التعاميم، وأن يخصص نسبة من أرباحه وإيراداته السنوية لسداد الودائع، وألا يوزع الأرباح أو المكافآت قبل بلوغ أهداف السداد، إلى جانب إخضاع عمولاته للمراجعة الرقابية وتقديم خطة زمنية ملزمة لإعادة الودائع، “لا أن يختبئ خلف الحد الأدنى التنظيمي”.
ويرى أن “المطلوب ليس مُعاقبة المصارف التي حافظت على علاقاتها الخارجية، باعتبار أن هذه العلاقات تشكل أصلاً ضرورياً لإعادة بناء القطاع المصرفي. لكن، في المقابل، لا ينبغي أن تتحوّل كفاءتها التشغيلية وسيولتها الخارجية إلى امتياز خاص للمساهمين والإدارة، فيما يبقى المودع أسير تعميم يحدد الحد الأدنى للسحب”.
وبحسب فحيلي، فإن المبدأ الذي ينبغي تثبيته هو ألا ينتظر المصرف القابل للحياة أضعف مصرف في القطاع، وألا يُحرم مودعوه من قدرة مصرفهم على الدفع بحجة توحيد المعالجة.
ويقول إن “قانون الفجوة يجب أن يوحّد حماية الحقوق، لا أن يوحّد العجز؛ وأن يضمن الحد الأدنى للجميع، لا أن يجعل الحد الأدنى سقفاً حتى على المصرف القادر”. ويضيف أن استرداد الودائع يجب أن يُبنى على قدرة كل مصرف ومسؤوليته، لا على متوسط افتراضي يخفي الفروق بين مصرف حافظ على وظيفته المصرفية وآخر تعثر وفق مختلف المعايير.
مساواة المودعين لا تعني بالضرورة توحيد آليات السداد
ويضيف فحيلي: “لا يجوز أن تُعامل هذه المصارف بالطريقة ذاتها. فالمساواة بين أوضاع غير متساوية ليست عدالة، بل قد تتحوّل إلى مكافأة للمصرف المتعثر ومعاقبة للمصرف الذي حافظ على حد أدنى من السيولة والقدرة التشغيلية”.
ويلفت إلى أن “التعميم الأساسي رقم 154 ألزم المصارف بتكوين سيولة حرة من أي التزامات لدى المصارف المراسلة في الخارج، تعادل في الأصل 3 في المئة من ودائعها بالعملات الأجنبية، أما التعميم الأساسي رقم 150، فلم يسمح بتحويل 100 في المئة من الودائع القديمة إلى الخارج، بل أنشأ نظام “الأموال الجديدة” الوافدة من الخارج بعد 9 نيسان 2020، وألزم المصرف بإيداع ما يعادل 100 في المئة منها لدى مصارفه المراسلة، بما يحول دون استخدامها لتمويل الفجوة القديمة.”
أين تكمن المشكلة؟
يوضح فحيلي أن “المصارف التي حافظت على علاقاتها بالمصارف المراسلة، واستمرت في تنفيذ التحويلات والاعتمادات المستندية وكتب الضمان والعمليات العابرة للحدود، تملك قيمة اقتصادية وتشغيلية لا تملكها المصارف التي فقدت هذه العلاقات أو أصبحت عاجزة عن ممارسة العمل المصرفي الطبيعي.”
ويرى أنه من الضروري التمييز بين 3 أنواع من الأموال الموجودة في الخارج:
-أموال العملاء الجديدة المحمية بموجب التعميم 150: ليست ملكاً حراً للمصرف، ولا يجوز استخدامها لسداد الودائع القديمة.
-السيولة التشغيلية المفروضة بموجب التعميم 154: هي أصل للمصرف، لكنها تؤدي في الوقت نفسه وظيفة احترازية وتشغيلية، ولا يمكن استنزافها بالكامل من دون تعريض علاقاته الخارجية للخطر.
– السيولة الحرة التي تتجاوز المتطلبات التشغيلية والرقابية، إضافة إلى الأرباح والفوائد الصافية المتولدة عنها: يرى فحيلي أن هذه الأموال يجب أن تدخل صراحة في تقييم قدرة المصرف على استرداد الودائع، وألا يجري تجاهلها عند تحديد مساهمته في عملية السداد.
ويؤكد فحيلي أن “مجرد امتلاك أرصدة لدى المصارف المراسلة لا يعني أن كل هذه الأموال قابلة للتوزيع فوراً، لكنه يعني، بحسب رأيه، أن قدرة هذا المصرف على الدفع والتعافي ليست مساوية لقدرة مصرف فقد في الوقت نفسه السيولة الخارجية والعلاقات المراسلة.”
مخاطر المعالجة الموحدة
ويضيف أن “الخلل في المعاملة الموحدة يظهر إذا قرر قانون الفجوة المالية منح كل المصارف الآجال ذاتها، ونسب السداد ذاتها، وأدوات السداد ذاتها، والإعفاءات أو الحماية ذاتها.”
ويرى أن “مثل هذه المقاربة تفصل حق المودع عن الوضع الحقيقي للمصرف المدين له”.
ويقول إن “النتيجة المفارقة قد تكون أن مصرفاً حافظ على سيولة قابلة للتوظيف في الخارج، وتوقف في الوقت نفسه عن دفع الفوائد على ودائع عملائه ورفع عمولاته، يُسمح له بسداد الودائع بالوتيرة الدنيا نفسها المفروضة على مصرف عاجز تماماً.”
وعندها، بحسب فحيلي، قد تتحوّل تعاميم السحب من كونها حماية دنيا للمودع إلى سقف يحمي المصرف من الدفع.
ويشدد على أن “الحدود الواردة في تعاميم السحب هي حدود دنيا ملزمة، وليست بالضرورة حدوداً قصوى تمنع المصرف القادر من دفع مبالغ أكبر”.
ماذا يجب أن يتضمن قانون الفجوة؟
يُشير فحيلي إلى أن “قانون الفجوة المالية يجب أن يبدأ بتقييم مستقل لكل مصرف على حدة، بدلاً من تذويب كافة المصارف في فجوة واحدة.”
ويجب أن يشمل هذا التقييم، بحسب رأيه:
-حجم السيولة الحرة داخل لبنان وخارجه.
-طبيعة الأموال الموجودة لدى المصارف المراسلة والقيود المفروضة عليها.
-جودة الموجودات وقابليتها للتحصيل.
-الأرباح التشغيلية الحالية والمتوقعة.
-قدرة المساهمين على إعادة الرسملة.
-استمرار العلاقات المصرفية الخارجية.
-العمولات والإيرادات المحققة منذ عام 2019.
-التحويلات إلى الأطراف المرتبطة وتوزيعات الأرباح والمكافآت.
-القدرة الفعلية على دفع مبالغ تتجاوز الحدود التي تفرضها تعاميم مصرف لبنان.
وبناءً على هذه المعايير، يقترح فحيلي تصنيف المصارف إلى أربع فئات:
-مصرف قابل للاستمرار وقادر على تسريع السداد.
-مصرف قابل للاستمرار، شرط إعادة الرسملة وإعادة الهيكلة.
-مصرف يحتاج إلى الاندماج أو نقل الأصول والالتزامات.
-مصرف غير قابل للاستمرار ويجب إخضاعه للتصفية أو الحل المصرفي.
إذن بعد سبعة أعوام على اندلاع الأزمة المصرفية، لا يزال اللبنانيون ينتظرون حلاً يعيد إليهم أموالهم ويحدد بوضوح مسار معالجة الخسائر والفجوة المالية.
وبينما تؤكد الحكومة ومصرف لبنان أن العمل على استرداد الودائع مستمر، يبقى السؤال الأساسي مرتبطاً بقدرة قانون الفجوة المالية المرتقب على التوفيق بين وضع إطار موحد لحماية المودعين، وبين مراعاة الفوارق الفعلية في أوضاع المصارف وقدرتها على السداد.
فبالنسبة إلى المودعين، لا تزال القضية تتجاوز الأرقام والقوانين إلى سؤال أكثر مباشرة: متى يصبح استرداد “جنى العمر” مساراً فعلياً وملموساً، لا مجرد هدف مؤجل؟
المصدر: “لبنان24”
