أجور الشحن تعيد رسم خارطة الأسعار في سوريا

لم تعد أزمة الغلاء في سوريا مرتبطة بأسعار السلع وحدها، بل باتت كلفة نقلها تشكّل عبئاً إضافياً يثقل كاهل المستهلكين ويعيد رسم الخريطة الاقتصادية بين المحافظات. فمع الارتفاع المتسارع في أجور شحن البضائع خلال الأشهر الأخيرة، أصبحت المسافة التي تقطعها السلعة عاملاً حاسماً في تحديد سعرها النهائي، إلى درجة أنَّ جزءاً متزايداً مما يدفعه السوري اليوم، يذهب لتغطية كلفة الطريق أكثر مما يذهب لقيمة المنتج نفسه.
ويكتسب هذا الملف أهمية استثنائية في ظل اعتماد الاقتصاد السوري بشكل كبير على الاستيراد وحركة النقل البري بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، ما يجعل أيَّ زيادة في تكاليف الشحن تنتقل سريعاً إلى أسعار المواد الغذائية والزراعية والصناعية. لكنَّ تداعيات هذه الزيادات لا تتوقف عند حدود التضخم، بل تمتد إلى تعميق الركود الاقتصادي، وإضعاف القدرة الشرائية، وتوسيع الفجوة المعيشية بين المحافظات، خصوصاً تلك البعيدة عن مراكز الاستيراد والإنتاج.
في هذا السياق، تطرح الزيادات الأخيرة في أجور النقل أسئلة ملحّة حول حجم تأثيرها على الأسواق والقطاعات الإنتاجية، وما إذا كانت ترتبط فقط بارتفاع أسعار المحروقات أم أنّها تعكس مشكلات أعمق تتعلق بالبنية التحتية والرسوم والإجراءات التي تواجه حركة البضائع داخل البلد.
نسب الارتفاع في أجور الشحن
تشير الأرقام الرسمية إلى ارتفاع هائل في أكلاف نقل البضائع، فقد أكد مدير مديرية تنظيم نقل البضائع في وزارة النقل السورية، خالد كسحة، أن ارتفاع تكاليف النقل منذ بداية عام 2026 يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها ارتفاع أسعار المحروقات وتأثرها بسعر الصرف، ما أدى إلى زيادة تكلفة الشحن بين المحافظات بنسب وصلت في بعض الأحيان إلى أكثر من 40%.
وقال كسحة إن تكاليف الصيانة وقطع الغيار، ولا سيما الإطارات والزيوت المستوردة، شكلت عبئاً إضافياً على أصحاب الشاحنات، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على تكلفة النقل، إلى جانب تراجع البنية التحتية للطرق، ما يزيد من استهلاك الوقود ويرفع التكلفة الزمنية والمالية للرحلات.
وأضاف أنَّ نسبة مساهمة النقل في السعر النهائي للسلع تختلف بحسب نوعها والمسافة المقطوعة، مبيّناً أنَّ السلع الزراعيّة منخفضة القيمة مثل الخضار والفواكه تتأثر بشكل أكبر، حيث تتراوح تكلفة نقلها بين 5 و15% من سعرها النهائي، في حين تكون النسبة أقل للسلع ذات القيمة المرتفعة أو المستوردة وتتراوح بين 2 و8%، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.
أسباب متعددة ومتراكبة
وتعليقاً على الأرقام الرسمية يوضح الباحث محمد علبي في حديث لـ”المدن” أنَّ أسباب هذا الارتفاع متعددة ومتراكمة، وعلى رأسها ارتفاع أسعار المحروقات، لأنَّ الوقود يشكل جزءاً أساسياً من كلفة النقل، إضافة لحالة عدم الاستقرار الإداري واللوجستي على الطرق، مع تعدد نقاط التفتيش والتدقيق على البضائع، ما يرفع الزمن والكلفة على الشاحنات.
لكنَّ المشكلة الأبرز اليوم، وفقاً لما يضيفه علبي، هي عودة ما يشبه الجباية المقنَّعة عبر انتشار نقاط تابعة لهيئة المنافذ والجمارك داخل الجغرافيا السورية نفسها، ولا سيما بين المحافظات الشرقية.
رسميّاً، تهدف هذه النقاط إلى التدقيق بالفواتير ومنع التهريب وضبط البضائع الداخلة من المعابر غير النظامية، لكن عملياً كثير من السائقين والتجار المحليين يتحدثون عن ابتزاز وتأخير ودفع مبالغ غير رسمية، وفي هذا الصدد يورد الباحث علبي مثالين يتكرر ذكرهما كثيراً بين الأهالي والتجار وهما: حاجز البانوراما في دير الزور، وحاجز السخنة على الطريق الواصل بين الشرق والداخل السوري.
ويرى علبي أن هذا المشهد يذكّر السوريين إلى حد كبير بزمن الأسد وحواجز الفرقة الرابعة، حين كانت الطرق تتحول إلى مصدر جباية يرفع كلفة البضائع ويخنق التجارة الداخلية. ولذلك هناك حالة استياء محلية كبيرة جداً، خصوصاً في المحافظات الشرقية، لأن السكان كانوا يأملون أن تنتهي هذه الممارسات بعد سقوط النظام السابق، لا أن تعود بصيغ جديدة وأسماء مختلفة.
إضافة إلى ذلك، يشير علبي إلى الإشكاليات المرتبطة بالبضائع القادمة من شمال شرق سوريا، ولا سيما ما يتعلق بمعبر سيمالكا، حيث لا يزال وضعه القانوني والإداري غير محسوم بشكل كامل، برغم زعم السلطة أنه تحت سيطرتها، ما يخلق حالة من الضبابية الجمركية تنعكس على حركة البضائع وتكاليفها.
حوامل الطاقة بيضة القبان
ثمة علاقة مباشرة بين ارتفاع أجور الشحن وارتفاع حوامل الطاقة فالنقل في سوريا يعتمد بشكل شبه كامل على الشاحنات والوقود التقليدي، ومع كل ارتفاع في أسعار المازوت ترتفع تلقائياً أجور النقل.
لكنَّ المشكلة في سوريا أنَّ تأثير المحروقات يتضخم بسبب عوامل أخرى، ويشير الخبير الاقتصادي رضوان الدبس إلى الدور الكبير للرسوم التي تفرض على الشاحنات عبر بعض الحواجز والمكاتب، فضلاً عن ارتفاع قطع غيار السيارات، وارتفاع أسعار السيارات في الأشهر الماضية إثر صدور قرار وقف استيراد السيارات المستعملة.
ويضيف خلال حديث لـ”المدن” أن الأصول الثابتة للشحن غدت مرتفعة الثمن بحيث يحتاج الاستثمار في نقل وشحن البضائع إلى رأسمال كبير، ويلفت إلى دور تحديد الأوزان على الطرقات، فلم يعد وزن البضائع في كل شاحنة مفتوحاً، ما تسببَّ بخسائر لأصحاب الشاحنات يجري تحميلها على أجور الشحن والنقل.
في السياق، يشير الدبس إلى حالة الطرقات المتردية جداً في سوريا بعد سنوات طويلة من الحرب، مؤكداً أنَّ الحُفر والمطبّات والطرق غير المعبّدة تؤدي إلى اهتلاكات في وسائط الشحن والنقل وتُخرجها في النهاية عن الخدمة وتقود بالمحصلة إلى رفع أجور الشحن بشكل غير مباشر.
ويرى الدبس أنَّ أهم العوامل المباشرة التي قادت إلى ارتفاع أجور الشحن تتمثل بالارتفاع المتكرر والمستمر لحوامل الطاقة، مشيراً إلى وجود علاقة مباشرة بين المحروقات وتحديد أجور الشحن خاصة، وأنَّ الرفع الأخير للمحروقات تجاوز 30%.
السلع الأكثر تأثراً؟
تتفاوت نسب الارتفاع التي تطاول السلع جراء ارتفاع أكلاف النقل والشحن، ويرى الباحث محمد علبي أنَّ السلع الأكثر تأثُراً هي السلع الزراعية والغذائية ومواد البناء والسلع منخفضة الهامش الربحي، مثل الخضار والفواكه والحبوب والطحين والسكر والأعلاف والإسمنت، هذه السلع تعتمد على النقل بكميات كبيرة، وبالتالي تصبح كلفة الطريق جزءاً مهماً من سعرها النهائي.
ويضيف أن أسعار المواد الأساسية ترتفع بوتيرة أسرع من دخول المواطنين، ما يُضعف قدرة الأُسر على الوصول إلى الغذاء والاحتياجات اليومية، كما أنَّ بعض المناطق البعيدة تصبح عمليّاً أكثر فقراً بسبب ارتفاع أسعار السلع فيها مقارنةً بالمراكز الحضرية الكبرى، وهذا يُعمق التفاوت الاقتصادي بين المحافظات السورية.
من جانبه، يوضح الخبير رضوان الدبس أنَّ الارتفاع يشمل كافة السلع سواء الخضار والفاكهة الطازجة والمبردة أو السلع الغذائية أو المواد الخام وغيرها، حيث يغطي الشحن مصاريف لا تقل عن 20% من الكلفة الأساسية لأي مادة، إلا أنَّ السلع تتفاوت من حيث النسبة فبعض السلع تتأثر بنسب أقل من غيرها.
قطاعا الصناعة والزراعة
لا يقتصر الارتفاع الباهظ في أجور شحن البضائع على رفع أسعار السلع فقط، بل يتجاوز إلى إحداث آثار سلبية جداً على القطاعين الصناعي والزراعي. ويوضح محمد علبي أنَّ المزارع السوري يتحمَّل اليوم كلفة نقل مرتفعة لمحصوله، ما يقلل هامش ربحه ويضعف قدرته على الاستمرار بالإنتاج، خاصة وأنه في بعض الأحيان تصبح كلفة نقل المنتج إلى السوق أعلى من الجدوى الاقتصادية للإنتاج نفسه.
أمّا الصناعة، فتتضرر مرتين: مرة عند نقل المواد الأولية إلى المعامل، ومرة عند توزيع المنتج النهائي في الأسواق. ويرى علبي أنَّ هذا يضعف تنافسية المنتج المحلي أمام البضائع المستوردة، ويدفع بعض الصناعيين إلى تقليص الإنتاج أو رفع الأسعار بشكل كبير. النتيجة النهائية هي المزيد من الركود، وتراجع الإنتاج الوطني، وزيادة الاعتماد على الاستيراد.
ولتلافي الانعكاسات السلبية سواء على الأسعار أو قطاعي الصناعة والزراعة، يوصي الخبراء بتوحيد السوق السورية فعليّاً ومنع أي ممارسات تشبه الجمارك الداخلية بين المحافظات، لأنَّ الاقتصاد لا يمكن أن يتعافى بوجود كلف عبور داخلية. كذلك يجب ضبط الحواجز وإلغاء أيّ رسوم أو ممارسات غير رسمية ترفع تكاليف النقل، مع فتح تحقيقات جدية في الشكاوى المتعلقة ببعض النقاط الجمركية والحواجز.
ومن المهم أيضاً توحيد إجراءات الفوترة والوثائق الجمركية إلكترونياً لتسهيل حركة البضائع ومنع الابتزاز، كما يجب معالجة ملف المعابر المختلف عليها، وخاصة معبر سيمالكا، ضمن إطار قانوني واضح يخفف الضبابية على التجار والسائقين.
