احتجاجات الطلاب في فرنسا تفتح ملف عنف الشرطة.. ومخاوف تقييد التظاهر

توسعت الاحتجاجات الطلابية في فرنسا من باريس إلى مدن عدة، وسط جدل متصاعد بشأن استخدام الشرطة القوة ضد المتظاهرين، بعدما أُصيب عدد من الشبان، بينهم فتى يبلغ 15 عاماً فقد إحدى يديه إثر انفجار قنبلة صوتية. وأعادت هذه المواجهات طرح أسئلة حول أساليب ضبط الاحتجاجات وحدود تدخل
الأجهزة الأمنية، ولا سيما أن عدداً كبيراً من المشاركين دون سن الثامنة عشرة.
وبحسب تحليل نشره موقع “The Conversation”، بدأت التحركات احتجاجاً على الأوضاع في المدارس الثانوية، قبل أن تنتشر في أنحاء البلاد. وأدى استخدام القنابل الصوتية إلى تصاعد الانتقادات، وصولاً إلى حظر استخدامها خلال هذه الاحتجاجات.
تاريخ طويل من المواجهات
يعود الجدل حول استخدام القوة من قبل الشرطة الفرنسية إلى أكثر من قرنين. ففي القرن التاسع عشر، كان الجيش مسؤولاً عن حفظ النظام العام، وعندما أطلق النار على متظاهرين في شباط 1848، ما أدى إلى مقتل العشرات، اندلعت موجة غضب ساهمت في إسقاط الملك لويس فيليب ونظامه وقيام الجمهورية الثانية.
وبعد الحرب العالمية الأولى، أُنشئت وحدات دائمة متخصصة في حفظ النظام، عُرفت باسم “الدرك المتحرك”، ثم انضمت إليها بعد الحرب العالمية الثانية وحدات الأمن الجمهوري المعروفة اختصاراً بـ”CRS”. وتتمتع هذه الوحدات بتدريب متخصص وخبرة واسعة في التعامل مع الاحتجاجات، لكنها، وفقاً لكاتب المقال، تتبع نهجاً أكثر عسكرة ومواجهة مقارنة بوحدات مكافحة الشغب في دول أوروبية أخرى.
وخلال احتجاجات الطلاب عام 1968، ظهر شعار “CRS=SS”، في إشارة إلى اتهام هذه القوات بممارسة القمع. ويشير المقال إلى أن مخاطر تحول العنف الشرطي إلى عامل يزيد الاحتجاجات بدلاً من احتوائها كانت حاضرة آنذاك أيضاً.
دور مثير للجدل لوحدة مكافحة الجريمة
ويثير نشر عناصر من وحدة “Brigade Anti-Criminalité”، المعروفة اختصاراً بـ”BAC”، قلقاً خاصاً، بحسب التحليل. فهذه الوحدة ليست متخصصة في ضبط الحشود، بل تعمل أساساً في مكافحة الجرائم اليومية، من خلال دوريات في الضواحي وتدخلات مباشرة ضد جرائم مثل الاتجار بالمخدرات والتخريب والسرقة.
كما ترتبط هذه الوحدات بعمليات التحقق من الهويات التي يقول منتقدون إنها تستهدف الشباب المنتمين إلى أقليات عرقية بصورة غير متناسبة. ويشير المقال إلى استخدام بعض عناصر الشرطة الرصاص المطاطي، الذي يمكن أن يتسبب بإصابات مؤلمة ودائمة رغم تصنيفه ضمن الأسلحة الأقل فتكاً.
ويستعيد الكاتب حادثة عام 2005، حين طارد عناصر من وحدة “BAC” ثلاثة مراهقين إلى محطة كهرباء، حيث صُعق اثنان منهم، يبلغان 15 و17 عاماً، وتوفيا. وأعقبت الحادثة اضطرابات واسعة في المدن الفرنسية.
كما ينقل المقال عن عالم الاجتماع الفرنسي ديدييه فاسان أنه لاحظ، خلال أبحاثه التي نشرها في كتاب “Enforcing Order” عام 2013، أن بعض عناصر هذه الوحدة كانوا يحملون شارات تشير إلى مواقف من اليمين المتطرف وتفوق العرق الأبيض.
هل المتظاهرون مخربون؟
في المقابل، حاول مسؤولون حكوميون التشكيك في الاحتجاجات عبر القول إن مخربين، يُعرفون في فرنسا باسم “casseurs”، اندسوا بين المتظاهرين. ويشير المقال إلى أن هذا المصطلح اكتسب انتشاراً خلال حملة الشرطة على احتجاجات عام 1968، ثم عاد إلى الواجهة خلال احتجاجات السترات الصفراء بين عامي 2018 و2020.
ويربط الكاتب بين هذا الخطاب ومشروع قانون طوارئ يُعرف شعبياً باسم “casseurs-payeurs”، وينص، إذا أُقر، على إمكان فرض غرامة تصل إلى 10 آلاف يورو على من يواصل المشاركة في احتجاج بعد مطالبته بالتفرق، إذا وقع خلاله تخريب، حتى لو لم يكن الشخص مسؤولاً مباشرة عن الأضرار.
ورغم أن الحكومة تلقت مشورة تفيد بأن الإجراء يتوافق مع الحق الدستوري في التظاهر، فإن منتقديه يرون أنه قد يقلص حجم الاحتجاجات بصورة كبيرة، ما يثير تساؤلات حول مدى انسجامه مع الحياة الديمقراطية في فرنسا.
موقف اليمين يزيد المخاوف
ونقل المقال عن مارين لوبان، المرشحة اليمينية المتطرفة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، قولها إنها تعتقد أن الشرطة تؤدي عملها في ظروف صعبة. ويضع الكاتب هذا الموقف في سياق التقارير عن استخدام مفرط للقوة ضد أطفال ومراهقين شاركوا في الاحتجاجات.
ويرى أن محدودية الإجراءات الحكومية الرامية إلى ضبط تصرفات الشرطة، باستثناء تنازلات محدودة، تعكس رغبة في تجنب الظهور بمظهر المتساهل في قضايا الأمن والنظام العام قبل الانتخابات.
ويخلص التحليل إلى أن التعامل مع احتجاجات الطلاب لا ينفصل عن النقاش الأوسع حول الحق في التظاهر واستخدام القوة من قبل الشرطة، محذراً من أن تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في العقوبات قد يحدان من مساحة الاحتجاج في الحياة السياسية الفرنسية.
