صمت ترامب يربك إسرائيل.. واشنطن لا تدين عقوبات الغرب على المستوطنات

شكّل امتناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو عن إدانة العقوبات التي تخطط بريطانيا وفرنسا وكندا ودول أخرى لفرضها على المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة تطوراً لافتاً، خصوصاً من إدارة تصف نفسها بأنها الأكثر دعماً لإسرائيل في تاريخ الولايات المتحدة.
وبحسب شبكة “CNN”، لا يزال الموقف النهائي لإدارة ترامب من هذه العقوبات غير واضح، وفق مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين. لكن مجرد غياب الإدانة العلنية حتى الآن أثار اهتمام دبلوماسيين أميركيين وحلفاء لواشنطن، في ظل السياسة السابقة للإدارة تجاه إسرائيل والأراضي الفلسطينية، ومنها رفع عقوبات كانت إدارة جو بايدن قد فرضتها على مستوطنين إسرائيليين متهمين بالعنف.
وعندما سُئل ترامب عن العقوبات، الأربعاء، استخدم نبرة متحفظة على غير عادته، قائلاً إنه سيتحدث مع إسرائيل. وأضاف أمام الصحافيين: “أفهم تماماً ما يجري، لكنني أريد أن أعرف لماذا حدث ذلك فجأة؟”.
وتقول مصادر إن بريطانيا أبلغت واشنطن مسبقاً بخطوتها، بما في ذلك اتصال أجراه رئيس الوزراء البريطاني آندي برنهام بترامب قبل الإعلان عن العقوبات الثلاثاء.
وترى مصادر تحدثت إلى “CNN” أن رد فعل ترامب وروبيو قد يعكس انزعاجاً متزايداً من سياسات إسرائيل في الضفة الغربية. فمع أن ترامب قال سابقاً إنه لن يسمح لإسرائيل بضم الضفة، فإن الحكومة الإسرائيلية واصلت ترسيخ سيطرتها هناك عبر توسيع المستوطنات ومصادرة أراض إضافية.
ورغم أن إدارة ترامب لا تبدو قريبة من فرض عقوبات على إسرائيل، فإن استمرار الصمت الرسمي من أعلى مستويات الإدارة يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الرئيس الأميركي قد يتجه إلى اتخاذ موقف محدود من ملف المستوطنات. وحتى أي إجراء صغير في هذا الاتجاه سيشكل شرخاً مهماً بين إسرائيل وحليفها الأساسي، في وقت تواجه فيه عزلة دولية متزايدة.
وقد يكون الامتناع عن الإدانة، أو حتى تأييد العقوبات بصورة غير مباشرة، إشارة إلى تزايد إحباط ترامب من رئيس الوزراء
الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يستعد لانتخابات الشهر المقبل.
أما روبيو، فاختار بدوره عدم إدانة الخطوة، لكنه أشار إلى قلق واشنطن من التصعيد في الضفة. وقال للصحافيين: “لا نريد رؤية أي أمر مزعزع للاستقرار الآن في الضفة الغربية، في ظل كل ما يجري في المنطقة”. وأضاف أن الوضع هناك قد ينعكس على جهود إحراز تقدم في غزة وخطة النقاط العشرين و”مجلس السلام” الذي تلتزم به الإدارة.
وأكد روبيو أن الولايات المتحدة “لن تفعل ما فعلته بريطانيا”، لكنه أقر بأن واشنطن أُبلغت بالقرار واستمعت إلى الحجج التي قدمها البريطانيون لتبريره.
ويرى السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل دانيال شابيرو أن غياب الإدانة الأولية يعكس، ولو جزئياً، إدراكاً داخل الإدارة الأميركية بأن عنف المتطرفين الإسرائيليين في الضفة الغربية، وتصريحات وأفعال الوزراء المتشددين في حكومة إسرائيل، باتت مشكلة يصعب تجاهلها.
ويختلف هذا الموقف عن نبرة السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي، الذي هاجم الحكومة البريطانية واتهمها بما سماه “كراهية اليهود”، رغم أن وزير خارجيتها يهودي. وبحسب مسؤول في البيت الأبيض، لم تكن تصريحات هاكابي منسقة مع البيت الأبيض أو وزارة الخارجية.
وتشير “CNN” إلى أن موقف هاكابي ينسجم مع آرائه المعروفة منذ عقود بشأن إسرائيل والمستوطنات والضفة الغربية، وهو ما جعل كثيرين يتوقعون أن يكون رد الإدارة الأميركية في الاتجاه نفسه. لكن ذلك لم يحدث حتى الآن.
وتأتي هذه التطورات بعدما رفعت إدارة ترامب، في بداية ولايته الثانية، عقوبات فرضتها إدارة بايدن على مستوطنين إسرائيليين متهمين بممارسة العنف. كما أن واشنطن، بخلاف شركاء دوليين، لم تدن علناً خطة إسرائيل لدفع مشروع مستوطنة “E1″، الذي يقسم الضفة الغربية عملياً بين شمال وجنوب، ويجعل قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً أكثر صعوبة، كما يفصل القدس الشرقية عن بقية الأراضي الفلسطينية.
وكان وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش قد دافع صراحة عن توسيع الاستيطان بوصفه وسيلة لـ”دفن” فكرة الدولة الفلسطينية. وقال بعد الموافقة النهائية على مشروع “E1”: “الدولة الفلسطينية تُمحى عن الطاولة لا بالشعارات بل بالأفعال”.
وفي قراءة شابيرو، يمتلك ترامب ورقة ضغط مهمة على نتنياهو في هذه المرحلة، خصوصاً قبل الانتخابات. فنتنياهو، بحسبه، يريد دعم ترامب العلني أو الضمني، ولا يريد أي إشارة توحي بأن الرئيس الأميركي يفضل حكومة إسرائيلية مختلفة.
لكن مسؤولاً أميركياً سابقاً استبعد أن يقدم نتنياهو على كبح المستوطنين قبل الانتخابات، فيما وصف مسؤول آخر العقوبات المخطط لها بأنها “طلقة تحذير”. في المقابل، تساءل مسؤول أميركي عمّا إذا كانت العقوبات ستكون فعالة فعلاً، معتبراً أنها قد تدفع جزءاً من الرأي العام إلى الالتفاف حول إسرائيل ونتنياهو، وتمنح روايته عن أن “العالم ضدنا” زخماً إضافياً.
