قمتان في بكين تكشفان الفارق

بدت قمتا الرئيس الصيني شي جين بينغ مع كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين متشابهتين من الخارج: مصافحات رسمية في ساحة تيانانمن، استقبال احتفالي، أطفال يلوّحون بالورود، وعروض عسكرية رمزية. لكن ما جرى في بكين كشف بوضوح اختلاف طبيعة علاقة الصين بكل من واشنطن وموسكو.
وبحسب The Korea Times، سعت بكين خلال زيارة ترامب إلى تهدئة العلاقات مع الولايات المتحدة وإعادة ضبط التوتر بين أكبر اقتصادين في العالم، بينما كانت زيارة بوتين مناسبة لتعميق الشراكة الاستراتيجية بين الصين وروسيا.
وخلال زيارة ترامب، ركز شي على المراسم والبروتوكول، بما في ذلك جولة نادرة في تشونغنانهاي، المقر التاريخي للقيادة الصينية. وفسّر خبراء ذلك بأن بكين تدرك اهتمام ترامب بالمظاهر العلنية للاحترام والاستقبال الخاص أمام الكاميرات.
أما مع بوتين، فكان التركيز أكبر على مضمون العلاقة. فقد أمضى الرئيس الروسي وقتاً طويلاً مع شي داخل قاعة الشعب الكبرى، حيث جالا في معرض صور عن العلاقات الصينية ـ الروسية، ثم عقدا لقاءات تناولت ملفات استراتيجية واقتصادية.
وتجلّى الفارق أيضاً في الرسائل السياسية. فمع ترامب، دعا شي إلى علاقة أكثر استقراراً، وحث واشنطن على النظر إلى الصين كشريك لا كخصم، بعد أشهر من التوتر والحرب التجارية. واتفق الطرفان على العمل باتجاه ما وصفاه بعلاقة “بنّاءة” وذات “استقرار استراتيجي”.
أما مع بوتين، فكانت الرسالة مختلفة: الصين وروسيا ليستا في مرحلة اختبار العلاقة، بل في مرحلة ترسيخها. وقد وصف بوتين قطاع الطاقة، ولا سيما النفط والغاز، بأنه “القوة الدافعة” للشراكة بين البلدين.
كما وقّعت الصين وروسيا أكثر من 40 اتفاق تعاون شملت التجارة والتكنولوجيا والإعلام، إضافة إلى إعلان مشترك وصف البلدين بأنهما “مركزان مهمان للقوة في عالم متعدد الأقطاب”. في المقابل، لم يوقّع ترامب وشي إعلاناً مشتركاً علنياً، ولم تُعرض اتفاقات خلال الزيارة نفسها، بل أُعلن لاحقاً أن الصين وافقت على شراء منتجات زراعية أميركية بمعدل سنوي يبلغ 17 مليار دولار، إضافة إلى 200 طائرة بوينغ.
ومع ذلك، لم تكن زيارة بوتين خالية من التعثر. فقد لفت خبراء إلى غياب اتفاق رسمي بشأن مشروع خط أنابيب الغاز Power of Siberia 2، الذي يفترض أن ينقل الغاز الروسي إلى الصين عبر منغوليا، وهو ما عُدّ نكسة لموسكو.
ويبقى ملف تايوان أحد أبرز الفوارق بين الزعيمين الزائرين. فروسيا تقف بوضوح إلى جانب بكين في هذا الملف، إذ جددت في الإعلان المشترك رفضها استقلال تايوان “بأي شكل”، ودعمها لما تسميه الصين الدفاع عن سيادتها وتحقيق “الوحدة الوطنية”.
أما الولايات المتحدة، فتعتمد سياسة غموض مقصود تجاه الجزيرة، رغم أنها تبقى الداعم العسكري غير الرسمي الأبرز لها. وقد شدد شي أمام ترامب على أن تايوان هي القضية الأهم في العلاقة الثنائية، محذراً من أن سوء التعامل مع الملف قد يؤدي إلى مواجهة بين البلدين. لكن ترامب لم يتطرق علناً إلى تايوان خلال الزيارة، قبل أن يقول في طريق عودته إن مبيعات السلاح للجزيرة تمثل “ورقة تفاوض جيدة” مع الصين، ما أثار قلقاً في تايبيه.
في الخلاصة، كشفت قمتا بكين أن الصين تتعامل مع واشنطن وموسكو بمنطقين مختلفين: مع الولايات المتحدة، تسعى إلى ضبط التوتر ومنع الانفجار الاقتصادي والسياسي؛ أما مع روسيا، فتعمل على تثبيت شراكة استراتيجية في مواجهة نظام دولي تعتقد أنه يتجه نحو التعددية القطبية.
