اقتصاد, عرب وعالم

تدريب لمحاكاة ضربة نووية.. القوات الاوروبية تتحرك

24 تشرين الأول, 2026

شاركت مقاتلات بريطانية، للمرة الأولى، في تدريب يحاكي تنفيذ ضربة نووية فرنسية، في خطوة غير مسبوقة تعكس مساعي لندن وباريس لتعزيز التنسيق بين ترسانتيهما النوويتين، وتفتح الباب أمام تساؤلات بشأن إمكانية بناء ردع نووي أوروبي أكثر استقلالاً عن الولايات المتحدة.

وأعلنت وزارتا الدفاع البريطانية والفرنسية، الجمعة، أن مقاتلات “تايفون” التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني رافقت مقاتلات “رافال” الفرنسية خلال تدريب أُطلق عليه اسم ” Rummy”، جرى يومي 20 و21 تشرين الاول فوق البحر المتوسط.

وانطلقت الطائرات من قاعدة سان ديزييه الجوية شمال شرقي فرنسا، حيث نفذت المقاتلات الفرنسية مهمة افتراضية لضربة نووية، بينما تولت الطائرات البريطانية مرافقتها وحمايتها. ولم يتضمن التدريب استخدام أسلحة نووية فعلية.

ورغم أن المناورة لم تشهد مشاركة بريطانية في حمل السلاح النووي أو إطلاقه، فإنها تمثل انتقالاً مهماً من التنسيق السياسي بين القوتين النوويتين الأوروبيتين إلى التعاون العملياتي المباشر في مهام الردع الاستراتيجي.

من اتفاق سياسي إلى تعاون عسكري

تأتي المناورة تنفيذاً لإعلان “نورثوود”، الذي وقعهالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في يوليو 2025، ونص على تعزيز التنسيق بين القدرات النووية للبلدين مع احتفاظ كل منهما باستقلال قراره.

وأنشأ الاتفاق مجموعة توجيه نووية مشتركة لتنسيق السياسات والقدرات والعمليات، انطلاقاً من قناعة بأن أي تهديد بالغ الخطورة لأمن أوروبا سيستدعي استجابة من البلدين.

وفي ديسمبر الماضي، حضر مسؤولون بريطانيون للمرة الأولى تدريباً فرنسياً يحاكي ضربة نووية بصفة مراقبين، قبل أن تتطور المشاركة هذا الأسبوع إلى مرافقة جوية فعلية.

وقالت وزيرة القوات المسلحة الفرنسية كاثرين فوتران إن امتلاك قوتين نوويتين مستقلتين لا يمنع التنسيق بينهما، معتبرة أن التعاون يعزز مساهمتهما في أمن أوروبا وحلف شمال الأطلسي.

لماذا تحتاج أوروبا إلى ردع خاص؟
يأتي التقارب النووي البريطاني الفرنسي في وقت تتزايد فيه المخاوف الأوروبية من التهديدات الروسية، خصوصاً مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد الخطاب المتعلق بإمكانية استخدام الأسلحة النووية.

كما تدفع التساؤلات بشأن مستقبل الالتزامات الأمنية الأميركية بعض العواصم الأوروبية إلى البحث عن وسائل لتعزيز قدرتها على الدفاع عن نفسها، دون الاعتماد الكامل على واشنطن.

وتكتسب فرنسا وبريطانيا أهمية خاصة في هذا السياق، باعتبارهما الدولتين الأوروبيتين الوحيدتين اللتين تمتلكان أسلحة نووية، بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

لكن قدراتهما تختلف من الناحية العملياتية؛ فبريطانيا تعتمد أساساً على غواصات مزودة بصواريخ باليستية نووية من طراز “ترايدنت”، بينما تمتلك فرنسا قوة ردع بحرية وأخرى جوية تستخدم مقاتلات رافال القادرة على حمل صواريخ نووية.

ويتيح هذا الاختلاف مجالاً للتكامل، إذ تستطيع المقاتلات البريطانية توفير الحماية الجوية لمهام الردع الفرنسية، دون أن تصبح جزءاً من منظومة إطلاق الأسلحة النووية نفسها.

هل تستغني أوروبا عن المظلة الأميركية؟

رغم الأهمية السياسية والعسكرية للمناورة، فإنها لا تعني ولادة قوة نووية أوروبية موحدة، أو اقتراب نقل صلاحيات استخدام السلاح النووي إلى قيادة مشتركة.

فقرار استخدام الترسانة الفرنسية يبقى حصرياً بيد الرئيس الفرنسي، بينما تحتفظ الحكومة البريطانية بالسلطة الوطنية على أسلحتها النووية.

كما أن التعاون الجديد لا يمثل بديلاً معلناً عن الردع النووي الأميركي داخل حلف الناتو، بل تسعى لندن وباريس إلى تقديمه باعتباره دعماً إضافياً لقدرات الحلف.

وتبرز هنا معضلة أساسية، هل يمكن لبريطانيا وفرنسا توفير ضمانات نووية موثوقة لبقية الدول الأوروبية دون إنشاء آلية مشتركة لاتخاذ القرار بشأن استخدام هذه الأسلحة؟

وتزداد صعوبة الإجابة في ظل اختلاف المصالح الاستراتيجية بين الدول الأوروبية، واعتماد عدد كبير منها على القدرات الأميركية، سواء في الأسلحة النووية أو منظومات الإنذار المبكر والاستخبارات والدفاع الجوي.

بداية مسار أوروبي جديد؟
لا يقتصر التحرك الفرنسي على بريطانيا، فقد طرحت باريس خلال العام الجاري تصوراً لتوسيع مشاركة الحلفاء

الأوروبيين في أنشطة الردع، بما يشمل التدريبات والتعاون العسكري التقليدي المرتبط بحماية القوات النووية.

وتشارك ألمانيا أيضاً في تطوير هذا المسار، بعدما أجرت مقاتلات فرنسية وألمانية أنشطة جوية مشتركة خلال الصيف.

لكن الانتقال من تدريبات مشتركة إلى منظومة ردع أوروبية مستقلة يتطلب توافقاً سياسياً واسعاً، وتحديد الدول التي تشملها الضمانات النووية، وآليات التنسيق في الأزمات، وحدود المسؤولية عن أي قرار باستخدام السلاح.

وبذلك، تبدو المناورة البريطانية الفرنسية خطوة عملية نحو تعزيز البعد الأوروبي للردع النووي، لكنها لا تعني بالضرورة الاستقلال عن الولايات المتحدة.

شارك الخبر: