لبنان

النقل المشترك في لبنان… الإقبال يتزايد والخطة غائبة عن الطريق

13 تشرين الأول, 2026

مع تزايد الإقبال على النقل المشترك في لبنان، بفعل ارتفاع كلفة التنقل بالسيارات الخاصة وتفاقم الأعباء المعيشية، يعود ملف تطوير هذا القطاع إلى الواجهة، وسط تساؤلات عن غياب توجه رسمي واضح لمواكبة هذا التحول ومضاعفة عدد الباصات العاملة، بما يتيح توسيع الخدمة لتشمل شريحة أكبر من المواطنين ومناطق أوسع من البلاد.

ففي وقت بات فيه التنقل اليومي عبئاً إضافياً على ميزانيات العائلات والموظفين والطلاب، يبدو أن النقل المشترك لم يعد مجرد خيار بديل يلجأ إليه المواطن عند الضرورة، بل حاجة ملحّة تستدعي سياسة عامة متكاملة. ومع ذلك، لا يزال عدد الباصات العاملة يتراوح بين 80 و90 باصاً، فيما تبرز الحاجة إلى رفع العدد إلى نحو 250 باصاً، بما يسمح بتوسيع شبكة الخطوط وتحسين وتيرة الخدمة وانتظامها، شرط أن يترافق ذلك مع خطة تشغيل واضحة وتأمين الصيانة والتمويل اللازمين.
وتبدأ الخطوة الأولى المطلوبة من بيروت الكبرى، التي يفترض أن تشكّل نقطة الانطلاق لأي مشروع جدي لتطوير النقل المشترك، على أن تشمل الشبكة المناطق الساحلية المحيطة بالعاصمة، وتمتد في اتجاه مدن وبلدات مثل عاليه وبكفيا وبرمانا. فهذه المناطق ترتبط يومياً بحركة تنقل واسعة نحو بيروت، سواء لأسباب وظيفية أو تعليمية أو إدارية، فيما يؤدي الاعتماد شبه الكامل على السيارات الخاصة إلى زيادة الضغط على الطرق، وإطالة زمن الرحلات، ورفع كلفة الوصول إلى أماكن العمل والدراسة.
ولا تقف أهمية توسيع الشبكة عند توفير وسيلة نقل أقل كلفة فحسب، بل تتصل أيضاً بتخفيف الازدحام، والحد من استهلاك الوقود، وتقليص الحاجة إلى استخدام السيارات الخاصة في الرحلات اليومية. لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب أكثر من زيادة عدد الباصات؛ إذ لا بد من تحديد خطوط واضحة، واعتماد مواعيد منتظمة، وتأمين محطات معروفة ومجهزة، وربط المناطق السكنية بمراكز العمل والخدمات، بما يجعل النقل المشترك خياراً عملياً يمكن للمواطن الاعتماد عليه، لا خدمة يضطر إلى انتظارها من دون ضمان انتظامها.
وبعد استكمال المرحلة الأولى، يفترض أن تنتقل الخطة إلى توسيع الشبكة على امتداد الساحل اللبناني، شمالاً وصولاً إلى طرابلس، وجنوباً في اتجاه المدن والبلدات الساحلية، على أن تأتي المرحلة الثالثة لتشمل البقاع، بما يتيح ربط المناطق الرئيسية بشبكة نقل أكثر اتساعاً وتكاملاً. ومن شأن هذا التدرج أن يساعد في توزيع الموارد المتاحة وفق الأولويات، شرط ألا تتحول المراحل المقترحة إلى عناوين مؤجلة، وألا تبقى الخطة محصورة في العاصمة ومحيطها من دون جدول زمني معلن للتنفيذ.
وفي هذا الإطار، يبرز السؤال عن مدى استعداد الجهات الرسمية المعنية لوضع تصور عملي يحدد حاجات القطاع، ومصادر تمويله، وآليات تشغيله، والجهة المسؤولة عن متابعته وتقييم نتائجه. فزيادة الأسطول إلى نحو 250 باصاً، على أهميتها، لا تكفي وحدها إذا لم تقترن بإدارة فعالة وشبكة خطوط تستجيب لحركة المواطنين الفعلية، فضلاً عن ضرورة ضمان استمرارية الخدمة وقدرتها على تلبية الطلب المتزايد.
واللافت أن الحاجة إلى النقل المشترك تتزامن مع ضغوط اقتصادية واجتماعية تجعل كلفة التنقل جزءاً أساسياً من الأعباء اليومية. ومن هنا، فإن تطوير هذا القطاع لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروعاً خدمياً محدوداً، بل خطوة ذات أثر مباشر في حياة المواطنين، وفي قدرة الموظفين والطلاب والعائلات على التنقل بكلفة مقبولة، وفي تخفيف الضغط عن الطرق التي باتت تستنزف الوقت والمال والأعصاب.
وعليه، فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء برصد الإقبال المتزايد على الباصات، بل البناء عليه من خلال خطة رسمية معلنة، تبدأ ببيروت الكبرى ومحيطها، ثم تتوسع إلى الساحل شمالاً وجنوباً، وصولاً إلى البقاع. فالنقل المشترك لا يصبح بديلاً فعلياً للسيارات الخاصة بمجرد توفير عدد محدود من الباصات، بل عندما تتوافر شبكة موثوقة ومنتظمة تغطي مسارات يحتاج إليها المواطن يومياً.
فهل يتحول الإقبال المتزايد على النقل المشترك إلى فرصة لإطلاق خطة وطنية طال انتظارها، أم يبقى المواطن مضطراً إلى تدبير تنقله على نفقته الخاصة، فيما تظل إمكانية بناء شبكة نقل عامة حديثة مؤجلة؟

المصدر: “لبنان24”

شارك الخبر: