لبنان

بين تامبا و”الخط الأصفر”… لبنان أمام اختبار الانسحاب والسلاح

5 تشرين الأول, 2026

بدأت الاستعدادات لجولة المفاوضات العسكرية اللبنانية ـ الإسرائيلية المرتقبة في تامبا، حيث مقر القيادة المركزية الأميركية، وسط اهتمام دبلوماسي لافت بمسار يُنتظر أن يتجاوز النقاشات العامة إلى البحث في ترتيبات ميدانية وآليات تنفيذية.

وكشفت مصادر دبلوماسية لصحيفة “الجمهورية” أنّ جولة المفاوضات المرتقبة تحظى باهتمام شديد، لأنها تضع لبنان الرسمي أمام محطة مفصلية شديدة التعقيد.

وبحسب المصادر، تصرّ واشنطن على إبقاء اللقاء محصورًا بالشق الفني ـ العسكري، تحت مظلة القيادة المركزية الأميركية، فيما يُتوقع أن يواجه الوفد اللبناني مطالب إسرائيلية ـ أميركية صارمة بتقديم “جداول زمنية وتعهدات عملانية لسحب سلاح حزب الله”.

وفي هذا السياق، أشار مصدر دبلوماسي لـ”الجمهورية” إلى أنّ جولة تامبا المقبلة لا ينبغي مقاربتها باعتبارها استئنافًا شكليًّا للمفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، بل اختبارًا عمليًّا لمدى قدرة “اتفاق الإطار” الذي رعته الولايات المتحدة الأميركية على الانتقال من مستوى التفاهمات العامة إلى ترتيبات ميدانية قابلة للتنفيذ.

وبحسب المصدر، فإنّ الاجتماع العسكري المرتقب في مقر القيادة المركزية الأميركية في تامبا، ما بين 20 و22 تشرين الأول، والذي يُرجّح أن يترأس الوفد اللبناني فيه السفير سيمون كرم بمشاركة السفيرة ندى حمادة معوّض، سيتركز بصورة أساسية على رسم خريطة طريق متدرّجة تحدد من أين يبدأ الانسحاب الإسرائيلي، وكيف يتزامن مع انتشار الجيش اللبناني، وما هي آلية التحقق من حصر السلاح وفرض سلطة الدولة في كل منطقة يجري إخلاؤها.

ويشير المصدر إلى أنّ “المناطق التجريبية” لم تسقط من الحسابات، بل تحولت إلى معيار سيُقاس عليه نجاح المسار كله. فالهدف، بحسب المصدر، لم يكن إنشاء جيوب أمنية منفصلة، وإنما اختبار صيغة تسمح بانتقال السيطرة الفعلية من الجيش الإسرائيلي إلى الجيش اللبناني، ثم البناء على نجاحها لتوسيع نطاق الانسحاب والانتشار تدريجيًّا.

وبالتوازي مع التحضيرات للمفاوضات، برز حراك دبلوماسي لتوفير دعم دولي للموقف اللبناني.

وفي هذا الإطار، كشف مصدر دبلوماسي لصحيفة “نداء الوطن” عن اهتمام حثيث من الكرسي الرسولي، برز خلال زيارة السفير سيمون كرم إلى الفاتيكان، حيث استمر اجتماعه مع أمين سر الدولة الكاردينال بيترو بارولين أكثر من ساعة، علمًا أنّ مدة هذه اللقاءات تُحدد عادة بين 30 و40 دقيقة.

كما يرى المصدر أنّ شخصية البابا الأميركي تمنحه مساحة مهمة للتأثير في دوائر القرار في واشنطن. ومن هنا، يشدد على ضرورة أن يغتنم لبنان هذه الحاضنة الدبلوماسية، وأن يبني عليها لتثبيت موقعه في المسار التفاوضي، بدلًا من تبديد الوقت والجهد في معارك سياسية جانبية تتحول إلى “طواحين هواء” انتخابية، فيما تضغط الاستحقاقات السيادية والأمنية.

تطور ميداني

في سياق آخر، ومع اتساع مروحة القصف الإسرائيلي والتفجيرات العنيفة في القطاعين الغربي والشرقي، لا توحي الإجراءات التي يتخذها الجيش الإسرائيلي بقرب انسحابه من “المنطقة الصفراء”.

وفي هذا السياق، أفاد موقع “واينت” بأنّ الجيش الإسرائيلي يستعد لبقاء طويل خلال فصل الشتاء داخل قرى جنوب لبنان، عبر تجهيز مواقع محصنة وتحسين طرق الوصول إليها، بالتزامن مع انتهاء مهمة لواء المظليين الاحتياط الـ55 وتسليم مواقعه إلى قوات بديلة.

ويشير التقرير إلى أنّ تموضع القوات الإسرائيلية على ما تسميه “الخط الأصفر”، بعمق يصل إلى نحو 12 كيلومترًا داخل الجنوب، يمنحها نقاط انطلاق أقرب إلى ما تصفه بـ”مراكز ثقل حزب الله”، في حال اتخاذ قرار بتنفيذ عملية عسكرية إضافية.

وذكر “واينت” أنّ قوات من لواء “بيسلاماخ” وكتيبة “غيفن” التابعة لدورة الضباط تحلّ محل اللواء الـ55، وتنفذ تدريبات وتحسّن مواقع تتيح لها المراقبة والسيطرة بالنيران على مناطق في العمق.

ونقل الموقع عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين أنّ الجنود سيقيمون خلال الشتاء في مجمعات محمية داخل القرى، بعدما جرى تجهيز المباني خلال الصيف بمولدات كهربائية ومكيفات ومرافق صحية، إلى جانب إعداد طرق التنقل مسبقًا.

وأشار التقرير كذلك إلى مخاوف إسرائيلية من أن يؤدي الاقتصار على تأمين خط الانتشار إلى تراجع الجاهزية وزيادة احتمالات استهداف القوات الموجودة في جنوب لبنان.

ولا تقتصر التحركات الإسرائيلية على تثبيت المواقع العسكرية، إذ تتسع دائرة النار باتجاه ما يُعرف بـ”الخط الثاني” من القرى.

وبحسب مصادر أمنية في الجنوب نقلت عنها “الشرق الأوسط”، وصل عدد المواقع العسكرية الجديدة التي استحدثها الجيش الإسرائيلي إلى 17 موقعًا، بالتوازي مع توسيع دائرة الاستهداف إلى القرى المحاذية لـ”الخط الأصفر”، وسط مخاوف من تحويل مناطق إضافية إلى نطاقات خطرة تدفع السكان إلى الابتعاد عنها.

وقالت مصادر محلية إنّ الجيش الإسرائيلي كثّف خلال الأيام الماضية عمليات التمشيط والقصف المدفعي، إلى جانب التحليق المتواصل للمُسيّرات.

وأوضحت أنّ القصف طال أطراف قرى في الخط الثاني، بينها وادي زبقين في القطاع الغربي وبلدة ميفدون جنوب شرقي مدينة النبطية، وهي بلدة لا يزال سكان يقيمون فيها، فيما عاد إليها عدد من النازحين خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

شارك الخبر: