الرياض وباريس ترسمان نهاية زمن السلاح غير الشرعي في لبنان

كتب طارق أبو زينب في نداء الوطن:
لم يكن الملف اللبناني تفصيلا عابرًا في المحادثات رفيعة المستوى التي جمعت ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه، بل حضر بوصفه جزءًا من إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية وصياغة مرحلة جديدة، عنوانها استعادة الدولة اللبنانية قرارها السيادي والأمني والعسكري. فالزيارة، التي شهدت إطلاق أعمال مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي– الفرنسي وتوقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم، وضعت لبنان أمام معادلة واضحة: لا استقرار مستدامًا في ظل تعدد السلطات ومصادر القرار.
وأعربت السعودية وفرنسا، في بيانهما المشترك، عن رؤية للاستقرار في الشرق الأوسط تقوم على احترام سيادة الدول والقانون الدولي واعتماد الحلول السياسية والدبلوماسية للنزاعات والتهديدات الأمنية. وعند إسقاط هذه الرؤية على لبنان، يصبح جوهر الأزمة أبعد من التوتر الحدودي أو الانقسام الداخلي، إذ يتعلّق بمصير دولة تقاس قدرتها بامتلاكها الحصري للسلاح وقرار الحرب والسلم، لا بمجرد استمرار مؤسساتها شكليًّا.
واتفق الجانبان على تكثيف جهودهما للتوصل إلى تسوية نهائية للنزاع في لبنان، وتعزيز مؤسسات الدولة والحفاظ على سيادته وسلامة أراضيه. كما أشادا بالخطوات التي اتخذها الرئيس جوزاف عون والحكومة برئاسة نواف سلام لإعادة بناء المؤسسات وبسط سلطة الدولة. وهذه الإشادة ليست مجاملة دبلوماسية، بل دعم لمسار محدد يضع العهد والحكومة أمام مسؤولية تحويل التعهدات السيادية إلى قرارات قابلة للتنفيذ، وإنهاء الصيغة التي سمحت بتعايش الشرعية مع قوة عسكرية موازية.
وتتضح دلالة الموقف في تجديد الالتزام بدعم القوات المسلحة اللبنانية والأجهزة الأمنية لتمكينها من أداء مسؤولياتها الوطنية كاملة. فالمطلوب ليس نزع السلاح غير الشرعي وترك فراغ أمني، وإنما نقل القوة والمسؤولية إلى المؤسسات الرسمية. وكل تعزيز لقدرات الجيش يسقط جزءًا من المبررات المستخدمة لاستمرار بنية مسلحة مستقلة، ويؤكد أن حماية الحدود وتطبيق القانون والدفاع عن البلاد وظائف حصرية للدولة.
أما التشديد على التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن رقم 1701 وضرورة اتمام نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، بحسب تعبير البيان، فينقل المقاربة عمليًّا من احتواء سلاح الميليشيات إلى إنهائه. فالبيان لم يحصر المعالجة بجنوب الليطاني، ولم يكتفِ بإبعاد السلاح عن الحدود، بل اعتمد معيارًا شاملا يشمل الأراضي اللبنانية كلها. ولم يجعل هوية الميليشيا أو شعاراتها مبررًا لامتلاك السلاح، بل ربط الشرعية حصراً بالخضوع للدستور وقرار الدولة والمؤسسة العسكرية، ما يغلق الباب أمام الاستثناءات التي كرّست ازدواجية القرار.
وفي المقابل، أكد الجانبان ضرورة انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية، ليكتمل التوازن القانوني والسياسي للموقف. فلا يجوز استخدام الاحتلال ذريعة للإبقاء على سلاح مستقل، كما لا يمكن تحويل مطلب نزعه إلى غطاء لاستمرار الاحتلال. المعادلة السعودية- الفرنسية واضحة: انسحاب إسرائيلي كامل، وتطبيق شامل للقرار 1701، وإنهاء وجود أي قوة عسكرية خارج الشرعية، بما يسحب الذرائع المتبادلة التي أبقت لبنان رهينة حلقة من الخروق والتصعيد.
هذه المقاربة تعيد رسم قواعد اللعبة اقتصاديًا أيضًا. فالدعم ومشاريع التعافي وإعادة الإعمار لا يمكن أن تبقى مساعدات منفصلة عن مستقبل الدولة، أو تمويلا لنتائج الحروب فيما أسبابها قائمة. ورغم أن البيان لم ينص حرفيًّا على اشتراط الإعمار بنزع السلاح، فإن منطقه يؤسس لترابط واضح بين أي انخراط اقتصادي جدي ووجود سلطة قادرة على حماية الاستثمارات وضبط الحدود ومنع جرّ البلاد إلى مواجهة جديدة.
وبذلك يتجاوز التفاهم التهدئة على الشريط الجنوبي إلى إعادة تعريف وظيفة الدولة: فرض القانون، وحماية الحدود البرية والبحرية والجوية، وضبط المعابر، وتفعيل الأجهزة الرقابية، وصون السلم الأهلي. فالمشكلة ليست في مكان انتشار السلاح فقط، بل في الجهة التي تملك قرار استخدامه وقدرتها على مصادرة خيارات اللبنانيين.
لقد رسم لقاء الإليزيه مسارًا متكاملا: دعم عون وحكومة سلام، وتمكين الجيش والأجهزة الأمنية، وتطبيق القرار 1701، ونزع السلاح غير الشرعي، وانسحاب إسرائيل. والرسالة أن زمن التسويات الرمادية يقترب من نهايته. أمام لبنان فرصة لاستعادة الثقة العربية والدولية وفتح أبواب التعافي، لكنها مشروطة بإثبات أن الجمهورية استعادت سلطتها. فالمرحلة المقبلة لن تُقاس بعدد البيانات، بل بقدرة السلطة على التنفيذ وتحويل الدعم الخارجي إلى سيادة فعلية يحتكرها القانون والجيش وحدهما على الأرض. فلا إعمار آمنًا ولا استقرار دائمًا ما دام قرار لبنان موزعًا بين دولة دستورية وميليشيا مسلحة تنازعها السيادة.
المصدر: نداء الوطن/nidaa el watan
