لبنان

هل يصبح لبنان قصة نجاح أميركية؟

25 تموز, 2026

كتب أنطوان الأسمر في اللواء:

ظلّ لبنان، لسنوات طويلة، يُقرأ في العواصم الكبرى باعتباره إحدى ساحات الاشتباك بين القوى الإقليمية أكثر منه دولة تمتلك هامشاً مستقلاً لصناعة خياراتها. إلا أن المشهد الإقليمي الذي يتشكل اليوم يوحي بأن قواعد اللعبة بدأت تتبدل تدريجياً. فالتغييرات التي تشهدها المنطقة، سواءٌ على مستوى توازن القوى أو أولويات الولايات المتحدة أو طبيعة الدور الإيراني، تضع لبنان أمام فرصة قد لا تتكرر بسهولة، عنوانها الانتقال من موقع التأثر بالتحولات إلى محاولة استثمارها لإعادة بناء الدولة.

يعيش الشرق الأوسط مرحلة إعادة تموضع شاملة. بعد سنوات من الحروب المفتوحة والصراعات بالوكالة، تبدو القوى الدولية والإقليمية أكثر ميلاً إلى تثبيت ترتيبات جديدة تقوم على خفض بؤر التوتر وإعادة تنظيم موازين النفوذ. في هذا السياق، لبنان مرشّح ليكون مساحة اختبار لنجاح هذه المقاربة، خصوصاً إذا تمكنت واشنطن من تحويله إلى نموذج يعكس قدرتها على إنتاج استقرار سياسي وأمني في إحدى أكثر ساحات المنطقة تعقيداً.

تنطلق المقاربة الأميركية من قناعة مفادها أن معالجة الأزمة اللبنانية لا يمكن أن تقتصر على تقديم مساعدات مالية أو دعم محدود للمؤسسات الرسمية، بل تتطلب إعادة رسم البيئة السياسية التي أنتجت الانهيار. وتربط واشنطن بين أي مسار اقتصادي مستقبلي وبين إرساء قواعد جديدة للحكم، يكون فيها القرار الأمني والسيادي محصوراً بمؤسسات الدولة، بما يسمح بإعادة الاعتبار إلى دور الجيش والإدارات الرسمية بوصفها المرجعية الوحيدة لإدارة الشأن العام.

لا يستهدف هذا التوجه معالجة الأزمة الداخلية فحسب، بل يندرج أيضاً ضمن رؤية أميركية أوسع لإعادة رسم موازين القوى في المشرق.

تعتبر الإدارة الأميركية أن الحد من نفوذ القوى المسلحة غير الرسمية يشكل مدخلاً أساسياً لإرساء استقرار طويل الأمد، ويمنع استخدام الدول الهشة كساحات لتصفية الحسابات الإقليمية. بذلك، يصبح لبنان جزءاً من مشروع أكبر يتجاوز حدوده الجغرافية ليعكس صورة النظام الإقليمي الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تكريسه في المرحلة المقبلة.

في المقابل، تجد إيران نفسها أمام واقع أكثر تعقيداً مما كان عليه قبل سنوات. تواجه شبكة النفوذ التي بنتها عبر حلفائها في أكثر من دولة ضغوطاً متزايدة نتيجة التحولات العسكرية والسياسية التي شهدتها المنطقة، إضافة إلى المتغيرات الدولية التي حدّت من هامش الحركة أمام هذا النموذج. لم يعد التحدي بالنسبة إلى طهران مقتصراً على الحفاظ على مواقع نفوذها، بل بات يتعلق أيضاً بقدرتها على التكيف مع بيئة إقليمية تتجه نحو تقليص دور الفاعلين غير الدولتيين وتعزيز حضور المؤسسات الرسمية.

في هذا السياق، يكتسب لبنان أهمية خاصة. فنجاحه في استعادة جزء من قراره الوطني لن يقتصر على كونه إنجازاً داخلياً، بل سيكون مؤشراً على تراجع فعالية النموذج الذي اعتمد على ترسيخ النفوذ من خلال القوى المحلية الحليفة. لذلك، ستكون لأي تحول في المعادلة اللبنانية انعكاسات تتجاوز لبنان، ليحمل دلالات سياسية تتصل بمستقبل التوازنات الإقليمية برمتها.

يبقى تحقيق هذا السيناريو رهناً بمدى استعداد الولايات المتحدة للانتقال من مرحلة الضغط السياسي إلى مرحلة الاستثمار الحقيقي في استقرار لبنان. أثبتت التجارب السابقة أن الاكتفاء بالمواقف السياسية أو العقوبات أو الدعم الأمني المحدود لا يكفي لإحداث تحول مستدام، بل غالباً ما يؤدي إلى إدارة الأزمة بدلاً من حلها. لذلك، يتطلب نجاح أي مقاربة جديدة توفير شبكة متكاملة من الضمانات السياسية والاقتصادية والأمنية، تسمح بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتشجع المجتمع الدولي على الانخراط في عملية إنقاذ طويلة الأمد.

تشمل هذه المقاربة، بطبيعة الحال، تثبيت الاستقرار عند الحدود الجنوبية، واستكمال معالجة الملفات الأمنية العالقة، وتعزيز قدرات الجيش، إلى جانب إطلاق مسار إصلاحي اقتصادي يعيد تنشيط مؤسسات الدولة ويستقطب الاستثمارات والمساعدات الخارجية. من دون بيئة اقتصادية قابلة للحياة، سيبقى أي إنجاز سياسي معرضاً للاهتزاز أمام الضغوط الاجتماعية والمالية.

لكن العوامل الخارجية، مهما بلغت أهميتها، لا تُلغي تأثير المشهد الداخلي اللبناني حيث الانقسامات السياسية العميقة، والتوازنات الطائفية الدقيقة، والمصالح المتشابكة، وكلها تجعل أي عملية تغيير عرضة للتعقيد والتأخير. كما أن القوى المحلية ستسعى إلى إعادة تموضعها بما يحفظ مصالحها في أي معادلة جديدة، مما يعني أن الانتقال نحو دولة أكثر تماسكاً لن يكون مساراً سريعاً أو خالياً من العقبات.

لهذا السبب، لن يكون معيار نجاح المرحلة المقبلة محصوراً بتراجع نفوذ طرف إقليمي لمصلحة طرف آخر، بل بقدرة الدولة نفسها على استعادة وظائفها الأساسية وملء أي فراغ قد ينشأ عن تبدُّل موازين القوى. لا تُقاس المعادلة الحقيقية بحجم الخسائر التي تتكبدها القوى الخارجية، بل بمدى قدرة اللبنانيين على تحويل التحولات الإقليمية إلى فرصة لإعادة بناء مؤسساتهم وترسيخ مفهوم الدولة الجامعة.

ومتى توافرت الإرادة الدولية، وتقاطعت مع قرار لبناني داخلي باستثمار هذه اللحظة، سيدخل لبنان مرحلة مختلفة عنوانها تثبيت السيادة وإحياء المؤسسات واستعادة الثقة المحلية والخارجية. عندها فقط، سيتحوّل الحديث عن لبنان من مجرد ملف ضمن صراعات الشرق الأوسط، إلى تجربة نموذجية قد تُقدَّم بوصفها مثالاً على إمكان إعادة بناء الدولة في منطقة أنهكتها الحروب والمحاور والتجاذبات الإقليمية.

المصدر: Aliwaa Newspaper | جريدة اللواء

شارك الخبر: