اقتصاد

التقرير الفصلي لـ”بنك عوده”: الاقتصاد اللبنانيّ يتعرّض لتداعيات الحرب السلبية

16 تموز, 2026

صدر عن “بنك عوده” تقريره الاقتصادي الفصلي الجديد بعنوان “من النمو إلى الانكماش: التعافي الاقتصادي في لبنان يترنّح”، والذي جاء فيه أنّه منذ بداية شهر آذار الماضي، يتعرّض الاقتصاد اللبناني لتداعيات الحرب السلبية. ففي حين بدأت سنة 2026 على وقع ديناميكيةٍ اقتصادية كلية جيّدة، شهد مسار الاقتصاد انعكاساً بعد الشهرين الأولين من العام. فقد انتقلت كافة مؤشّرات القطاع الحقيقي من مرحلة توسّع إلى مرحلة انكماش، نتيجة تباطؤ الطلب على السلع والخدمات.

وقد فاقم هذا الوضع الانكماشي التسارع اللافت في معدلات التضخم، في ظلّ ارتفاع أسعار النفط. ووفقاً لإدارة الإحصاء المركزي، بلغ معدل التضخم في لبنان 19.0% في شهر أيار 2026 (مقارنة بأيار 2025)، مقابل 12.2% في شهر كانون الأول 2025 (مقارنة بكانون الأول 2024). وقد شملت زيادة الأسعار هذا العام جميع مكوّنات سلّة السلع والخدمات، وكان الارتفاع الأكبر في بند النقل، الذي سجّل زيادة بلغت نسبتها 37.8%. ولو استُبعد عامل كلفة النقل، لكان مؤشّر أسعار الاستهلاك قد سجل ارتفاعاً بنسبة 15.7% في أيار2026.
وعلى الرغم من تأثير التضخّم المستورد، فقد تراجعت الواردات اللبنانية، التي تُعدّ مؤشّراً حقيقياً على الطلب المحلّي، بنسبة 6% خلال شهرَيْ آذار ونيسان مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق، بعدما كانت قد سجّلت نمواً سنوياً بنسبة 33% خلال الشهرين الأولين من السنة مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق.
على الصعيد النقدي، تراجع الطلب على الليرة اللبنانية منذ اندلاع الحرب، في ظلّ تصاعد حالة عدم اليقين وانخفاض الإيرادات الضريبيّة. ونتيجةً لذلك، انخفضت احتياطيّات مصرف لبنان من العملات الأجنبية، التي كانت قد بقيت شبه مستقرة طوال الشهرين الأولين من عام 2026 عند أعلى مستوى لها خلال أربع سنوات، والبالغ 12 مليار دولار أميركي، وذلك بتراجع مقداره 0.4 مليار دولار منذ ذلك الحين.
وفي الوقت نفسه، تراجعت قيمة احتياطيّات الذهب لدى مصرف لبنان بمقدار 6 مليارات دولار منذ نهاية شهر شباط الماضي، بعدما كانت قد ارتفعت بمقدار 7.4 مليارات دولار خلال الشهرين الأولين من السنة. ويُعزى هذا الانخفاض في قيمة احتياطيّات الذهب إلى تراجع أسعار الذهب العالمية، باعتباره أصلاً لا يدرّ فوائد، في وقت تحوّلت فيه توقّعات أسعار الفائدة العالميّة من مسارٍ تراجعي إلى مسارٍ تصاعدي، بفعل تسارع معدلات التضخّم العالمية.
من جهة أخرى، سجّل ميزان المدفوعات اللبناني عجزاً فعلياً قدره 0.2 مليار دولار أميركي خلال أشهر آذار ونيسان وأيار، نتيجة تراجع مختلف تدفّقات رؤوس الأموال إلى البلاد، ولا سيّما تحويلات المغتربين، والاستثمارات الأجنبية المباشرة، والإيرادات السياحية، والصادرات. في المقابل، كان ميزان المدفوعات قد سجّل فائضاً فعلياً بقيمة 0.3 مليار دولار خلال الشهرين الأولين من السنة، حيث تجاوزت التدفقات الرأسمالية الوافدة التدفقات الخارجة.
كذلك، فإن ودائع العملاء المصرفية “الفريش”، التي كانت تنمو بمعدل وسطي قدرُه 142 مليون دولار أميركي شهرياً خلال الشهرين الأولين من عام 2026، لم تعد ترتفع سوى بمعدل 110 ملايين دولار شهرياً منذ ذلك الحين. تجدر الإشارة إلى أن هذه الودائع شهدت انكماشاً صافياً خلال شهر آذار الفائت، قبل أن تعاود الارتفاع في شهري نيسان وأيار، لتبلغ 5.1 مليارات دولار أميركي في نهاية شهر أيار2026.
أما في ما يتعلّق بسوق سندات اليوروبوند، فقد ارتفعت أسعار السندات بنسبة 25% خلال الشهرين الأولين من السنة، لتصل إلى أعلى مستوى لها منذ ست سنوات، وهو 30 سنتاً من القيمة الإسمية لكلّ دولار بدفعٍ من الآمال بإعادة هيكلة الدين في إطار جهود الإصلاح الحكوميّة. غير أن هذه الأسعار تراجعت بنسبة 11% منذ نهاية شهر شباط الماضي لتستقــرّ على 26 سنتاً للدولار الإسمي عند إعداد هذا التقرير، في ظلّ توقّعاتٍ بتأجيل إعادة هيكلة الدين، وانخفاض مرتقب للناتج المحلي الإجمالي الفعلي، وازدياد أعباء الدين العام.

وقد استعرض “بنك عوده” في ختام التقرير التوقّعات الاقتصادية لكامل عام 2026 وفق سيناريوَيْن محتملَيْن لتطور الحرب في لبنان والمنطقة، وذلك عقب “اتفاق الإطار” الذي رافقه تحسن طفيف على مستوى الأسواق. يقوم السيناريو الأول على استمرار وقف إطلاق النار داخل الأراضي اللبنانية في النصف الثاني من العام الجاري، بينما يفترض السيناريو الثاني استئناف الأعمال العسكرية واستمرارها حتى نهاية السنة على الأقل.
في السيناريو الأول، القائم على عدم حدوث أيّ تصعيد عسكري جديد، توقّع التقرير انكماش الناتج المحلّي الإجمالي الحقيقي بنسبة 5% خلال عام 2026. ويُعزى هذا التراجع المحدود نسبياً إلى قِصر مدة النزاع، ما يسمح للاقتصاد بالتحسن بعد التوصّل إلى تسوية، والاستفادة من موسم الاصطياف وأعياد نهاية السنة. ومن المتوقعّ أن تبلغ قيمة الواردات نحو20 مليار دولار أميركي خلال العام، مدعومةً بعامل السعر الإيجابي، بينما من المرتقب أن تصل الصادرات إلى نحو3 مليارات دولار أميركي، مستفيدةً بشكل خاص من القرار الأخير للمملكة العربية السعودية برفع الحظر المفروض على الصادرات اللبنانية اليها.
وفي هذا السيناريو، يُتوقَّع أن يبلغ معدل التضخّم، وفق مؤشّر أسعار الاستهلاك، نحو 20% بينما يبقى سعر صرف الليرة اللبنانية مستقراً بصورة عامة بفضل الرقابة الصارمة التي يمارسها مصرف لبنان على الكتلة النقدية بالليرة. كما يُنتظر الحفاظ على احتياطيّات مصرف لبنان من العملات الأجنبية. ومن المتوقّع أن يراوح حجم ” الودائع الفريش” بين 5 و5.5 مليارات دولار أميركي، ما يتيح المحافظة على السيولة الإجمالية بالعملات الأجنبية في القطاع المصرفي ضمن نطاق يراوح بين 7.5 و8 مليارات دولار أميركي. أما ميزان المدفوعات الحقيقي، فمن المرجَّح أن يسجّل عجزاً طفيفاً، يعود بصورة رئيسية إلى ركود صافي الموجودات الخارجية للنظام المالي خلال النصف الأول من العام.
أما السيناريو الثاني، الذي يفترض استمرار الحرب إلى ما بعد نهاية العام، فهو أكثر إثارةً للقلق. ففي هذه الحالة، يُتوقّع أن ينكمش الناتج المحلّي الإجمالي الحقيقي بما لا يقلّ عن 11% خلال عام 2026، نتيجة الانهيار الحادّ في الطلب على السلع والخدمات، في ظلّ نزاع طويل الأمد. كما سيواصل المستثمرون تبنّي سياسة الترقــب بسبب ارتفاع مستوى عدم اليقين الاقتصادي، ما يؤدّي إلى تأجيل أو إلغاء العديد من المشاريع الاستثمارية. وسيكون القطاع السياحي من أكثر القطاعات تضرّراً، إذ ستتراجع أعداد السيّاح وستتأثر زيارات المغتربين إلى لبنان بشكل ملحوظ نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية بشكل عام.
وفي هذا السيناريو السلبي، تبرز مخاوف نسبية من عودة التقلّبات في سعر الصرف، الأمر الذي قد يؤدّي مجدّداً إلى تسجيل معدلات تضخّم من ثلاث خانات. ويعود ذلك إلى تقلّص تدفقات العملات الأجنبية نتيجة انخفاض تحويلات المغتربين، وتراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وانخفاض الصادرات والإيرادات السياحية. وسيدفع هذا الاختلال بين الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية والكتلة النقدية بالعملات الأجنبية إلى ممارسة ضغوط أساسية على العملة الوطنية. وفي مثل هذه الظروف، سيسجّل ميزان المدفوعات عجزاً كبيراً بسبب اتّساع الفجوة بين تدفقات رؤوس الأموال الوافدة والخارجة، كما ستشهد المالية العامة للدولة عجزاً ملحوظاً نتيجة تراجع الإيرادات العامة والارتفاع في الإنفاق الحكومي.
ونظراً للفوارق الملحوظة بين نتائج هذين السيناريوَيْن، يظلّ اللبنانيون اليوم يأملون أن تضع هذه الحرب أوزارها نهائياً في أقرب وقت ممكن، وأن يتمّ التوصّل إلى تسوية مستدامة تحول دون تجدّد الأعمال العسكرية، وأن يتحلّى المسؤولون السياسيون بروح من المسؤولية والتوافق يستطيع الوطن أن يبني عليها، وأن يبادر صانعو القرار إلى إطلاق برنامج إصلاحي طموح، باعتباره شرطاً أساسياً لإعادة لبنان إلى مسار التعافي الاقتصادي المنشود.

شارك الخبر: