صحة

ماذا نأكل لحماية الدماغ من الخرف؟

26 حزيران, 2026

قد تبدأ التغيرات الدماغية التي يمكن أن تؤدي لاحقاً إلى الخرف قبل سنوات طويلة من ملاحظة أي أعراض واضحة، مثل مشكلات الذاكرة أو نسيان المواعيد أو صعوبة العثور على الكلمات المناسبة.

وبحسب صحيفة The Independent، تزداد أهمية المؤشرات الحيوية في الدم في هذا المجال. فهذه المؤشرات هي علامات قابلة للقياس تعكس نشاطاً بيولوجياً داخل الجسم. وفي أبحاث الخرف، يمكن لبعض مؤشرات الدم أن تعطي إشارات عن عمليات بيولوجية مرتبطة بتغيرات في الدماغ، مثل تغيرات في بروتينات مرتبطة بمرض ألزهايمر، أو تلف في الخلايا العصبية، أو تغيرات في خلايا تدعم الخلايا العصبية وتحميها.

لكن هذه المؤشرات لا تستطيع أن تتنبأ بشكل مؤكد بما إذا كان شخص ما سيصاب بالخرف. فارتفاع بعض المستويات قد يشير إلى زيادة الخطر، لكن هناك أشخاصاً تظهر لديهم علامات بيولوجية ولا يصابون بالخرف، في حين يصاب آخرون به. وهذا يطرح سؤالاً مهماً: عندما تكون التغيرات المرتبطة بالدماغ قد بدأت مبكراً، هل لا يزال نمط الحياة قادراً على التأثير في خطر الإصابة؟

النظام الغذائي والخرف

تشير أبحاث حديثة إلى أن النظام الغذائي قد يبقى عاملاً مهماً. فقد تابع باحثون نحو 1900 شخص في السويد، تبلغ أعمارهم 60 عاماً وما فوق، لمدة وصلت إلى 15 عاماً. ولم يكن أي منهم مصاباً بالخرف عند بداية الدراسة، لكن 240 شخصاً أصيبوا به خلال فترة المتابعة.

وقُيّمت الأنظمة الغذائية للمشاركين أكثر من مرة، ثم درس الباحثون ما إذا كانت أنماط الأكل الصحية مرتبطة بانخفاض خطر الإصابة بالخرف لدى أشخاص لديهم مستويات مختلفة من مؤشرات الدم المرتبطة بمرض ألزهايمر وتلف الخلايا العصبية والضغط البيولوجي في الدماغ.

ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين اتبعوا أنماطاً غذائية صحية كان لديهم عموماً خطر أقل للإصابة بالخرف. والأهم أن هذا النمط ظهر أيضاً لدى أشخاص أظهرت مؤشرات الدم لديهم خطراً بيولوجياً أعلى، بما في ذلك تغيرات مرتبطة بألزهايمر.

ولم يركز البحث على أطعمة أو عناصر غذائية منفردة، بل على الأنماط الغذائية العامة، لأن الناس يتناولون مجموعات من الأطعمة لا عناصر منفصلة. وكانت أعمال سابقة للفريق نفسه قد ربطت بين جودة النظام الغذائي ومؤشرات دم مرتبطة بألزهايمر لدى كبار سن يتمتعون بإدراك سليم.

ودرس الباحثون ثلاثة معايير لوصف جودة النظام الغذائي: مدى قربه من النمط المتوسطي، ومدى توافقه مع الإرشادات العامة للأكل الصحي، ومدى احتمال أن يعزز الالتهاب داخل الجسم. وسمح ذلك بفهم ما إذا كانت جوانب مختلفة من جودة الغذاء أكثر أهمية لدى أشخاص تختلف ملفاتهم البيولوجية.

وكانت النتيجة الأقوى والأكثر ثباتاً لدى الأشخاص المعرضين لخطر بيولوجي أعلى مرتبطة بالقدرة الالتهابية للنظام الغذائي. فبين من لديهم مستويات أعلى من المؤشرات الحيوية المرتبطة بالخطر، ارتبطت الأنظمة الغذائية الأقل تحفيزاً للالتهاب بانخفاض نسبي في خطر الخرف وصل إلى 30 في المئة.

لكن الدراسة أوضحت أن هذا الانخفاض نسبي بين مجموعات، ولا يعني أنه يمكن التنبؤ بشكل فردي بما إذا كان شخص معين سيتجنب الخرف. كما أن الدراسة رصدية، أي إنها تكشف روابط بين النظام الغذائي والمؤشرات الحيوية وخطر الخرف، لكنها لا تثبت علاقة سببية مباشرة.

ومع ذلك، تشير النتائج إلى أن الالتهاب قد يكون أحد المسارات التي تجعل النظام الغذائي مهماً، حتى بعد بدء التغيرات المرتبطة بالمرض.

ما هو الغذاء الأقل التهاباً؟

النظام الغذائي الأقل تحفيزاً للالتهاب ليس حمية طبية خاصة، بل أسلوب عام في الأكل. وفي هذا النوع من الأبحاث، يعني عادة تناول كميات أكبر من الخضار والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات والشاي والقهوة، وتقليل أطعمة مثل اللحوم الحمراء والمصنعة والحبوب المكررة والمشروبات السكرية.

وربطت أبحاث مشابهة بين انخفاض القدرة الالتهابية للنظام الغذائي وانخفاض خطر الخرف لدى كبار السن المصابين بأمراض قلبية أو أيضية، مثل السكري من النوع الثاني أو أمراض القلب أو السكتة الدماغية.

لكن لماذا قد يؤثر ذلك في الدماغ؟ الالتهاب جزء من نظام الدفاع الطبيعي في الجسم، ويساعد على مواجهة العدوى والإصابات. غير أن القلق يرتبط بالالتهاب المزمن منخفض الدرجة، الذي يبقى نشطاً لسنوات.

ويهتم العلماء بشكل متزايد بكيفية مساهمة هذا النوع من الالتهاب طويل الأمد في شيخوخة الدماغ والخرف. وقد يؤثر في الدماغ مباشرة عبر النشاط المناعي المحيط بخلايا الدماغ، أو بشكل غير مباشر عبر الأوعية الدموية ومقاومة الأنسولين وصحة القلب.

وأظهرت أنماط غذائية أخرى صورة مختلفة. فالحمية المتوسطية والنظام الغذائي الصحي القائم على الإرشادات العامة ارتبطا بشكل أوضح بانخفاض خطر الخرف لدى الأشخاص الذين كانت لديهم مستويات أقل من المؤشرات الحيوية.

ومع ذلك، قد تظل هذه الأنظمة مهمة أيضاً لدى من لديهم خطر بيولوجي أعلى. وتشير النتائج إلى أن جوانب مختلفة من جودة الغذاء قد تعمل بطرق مختلفة تبعاً للملف البيولوجي لكل شخص.

ووفق The Independent، تميزت الدراسة بعدة نقاط قوة، منها استخدام معلومات متكررة عن النظام الغذائي، ومتابعة المشاركين لسنوات طويلة، وتحديد حالات الخرف بدقة، ومقارنة أنماط غذائية عدة ضمن المجموعة نفسها من كبار السن.

لكن للدراسة حدوداً أيضاً. فقد جرى قياس النظام الغذائي عبر استبيانات، وهي مفيدة لكنها غير مثالية. كما أن المشاركين جاؤوا من منطقة حضرية واحدة في السويد، وكانوا في المتوسط أكثر صحة وتعليماً نسبياً، ما يعني أن النتائج قد لا تنطبق بالطريقة نفسها على جميع الفئات.

وتبقى الرسالة الأساسية حذرة: النظام الغذائي الصحي لا يلغي خطر الخرف. فالعمر والجينات وصحة القلب والأوعية والظروف الاجتماعية والصدفة كلها عوامل تلعب دوراً.

لكن النتائج تشير إلى أن الغذاء قد يبقى مهماً لصحة الدماغ، حتى عندما تكون العلامات البيولوجية المبكرة المرتبطة بارتفاع الخطر موجودة بالفعل. أما الخطوة التالية، فهي تحديد الأطعمة والعناصر الغذائية التي تقف وراء هذه الروابط، حتى تصبح نصائح الوقاية من الخرف أكثر دقة وفائدة.

شارك الخبر: