بعد الاتفاق الأميركي – الإيراني: ملف لبنان بيد الدولة لا طهران

بعد الاتفاق الأميركي – الإيراني لوقف الحرب على مختلف الجبهات، بما فيها لبنان، لا يزال البعض يصرّ على أنّ إيران تُفاوض من أجل لبنان. لكن الواقع يُظهر العكس تمامًا، إذ إنّ حرب “الإسناد” التي فرضتها إيران كلّفت لبنان دمارًا واسعًا وخسائر بشرية واقتصادية كبيرة، فيما دفع اللبنانيّون وحدهم الثمن.
في المقابل، تبقى جهود الرئيس جوزاف عون والمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية هي المسار الحقيقي الذي قد يقود لبنان نحو السلام والاستقرار، بعيدًا عن صراعات المحاور التي أنهكت البلاد.
الرئيس عون لعراقجي: أمن لبنان وسيادته أولوية
في هذا السياق، تلقّى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مساء أمس اتصالًا هاتفيًا من وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية عباس عراقجي، تمّ خلاله التداول في المستجدّات الإقليمية الراهنة وعدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك.
وخلال الاتصال، رحّب الرئيس عون بالتفاهم الذي تم التوصل إليه بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأميركية، معربًا عن أمله في أن يُشكّل خطوة إيجابية نحو خفض التوتّرات وفتح المجال أمام حلول دبلوماسية تسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.
كما تمّ التأكيد على أهمية مواصلة الجهود السياسية والدبلوماسية الرامية إلى ترسيخ الاستقرار المستدام في المنطقة، بما ينعكس إيجابًا على دولها وشعوبها.
وشدّد رئيس الجمهورية على أنّ استقرار لبنان وأمنه وسيادته تبقى أولوية وطنية. كما أكّد الوزير عراقجي أهمية احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه من قبل جميع الأطراف، معربًا عن تطلّعه إلى أن تسهم الأجواء الإيجابية التي أوجدها هذا التفاهم في دعم الاستقرار في لبنان وتعزيز فرص التعافي والازدهار فيه.
ويرى متابعون لصحيفة “الجمهورية” أنّ موقف رئيس الجمهورية يعكس تمسّكًا واضحًا بثابتتَيْن: الأولى حماية لبنان من تداعيات الصراعات الإقليمية، والثانية تثبيت موقع الدولة اللبنانية باعتبارها الجهة الوحيدة المخوّلة إدارة الملفات السيادية والتفاوضية. وهي مقاربة تنسجم مع المناخ الدولي والعربي الداعم لقيام دولة قادرة تُمسك بقرار الحرب والسلم وتستعيد سلطتها الكاملة على أراضيها.
وفي الإطار نفسه، تلقّى رئيس مجلس النواب نبيه بري اتصالًا من عراقجي، شدّد خلاله الأخير على ضرورة التطبيق الكامل والفوري لبند وقف إطلاق النار في لبنان طوال فترة التفاوض المحدّدة بستين يومًا، معتبرًا أنّ مسؤولية ضمان التنفيذ تقع على عاتق الولايات المتحدة والجهات الراعية.
لا دور لإيران في التفاوض
في إطار متصل، أكد مصدر رسمي لصحيفة “نداء الوطن” أنّ لبنان يرحب بهذا الاتفاق، وأن سياسة البلد تقوم على خفض النزاعات، أمّا القول إنّ الاتفاق أتى على حساب الدولة اللبنانية فلا أساس له من الصحة. فعلينا الاطّلاع على الاتفاق وتفنيد بنوده، ومَن يفاوض عن لبنان هو دولته. أمّا الاتفاق فنصّ فقط على وقف إطلاق النار، ولم يستطع الإيراني ضمان الانسحاب من الجنوب، وبالتّالي ستفاوض الدولة في واشنطن على الانسحاب الإسرائيلي، ونشر الجيش، وعودة الأسرى والنازحين، وتثبيت وقف إطلاق النار، وليس الإيراني مَن سيجلس على طاولة المفاوضات. وشدّد المصدر على ضرورة النظر إلى السلوك الإسرائيلي، فإذا استمرّ في غاراته، يكون الكلام الإيراني حبرًا على ورق.
الملف بيد الدولة
كما تؤكّد أوساط سياسية مطلعة لـ”الجمهورية” أنّ القضية اللبنانية باتت مرتبطةً مباشرة بمساريْن متلازميْن: الأول يتعلق بإسرائيل التي ما زالت تربط أي انسحاب كامل من الأراضي اللبنانية بمعالجة ملف سلاح “حزب الله”، والثاني يتمثّل بالجهد التفاوضي الذي ترعاه الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل بهدف الوصول إلى ترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأمد.
وفي قراءة هذه الأوساط، فإنّ واشنطن تعتبر أنّ التطوّر الأهمّ في المرحلة الأخيرة يتمثّل في تكريس مقاربة جديدة، تعتبر أنّ جوهر المشكلة القائمة ليس نزاعًا لبنانيًّا – إسرائيليًّا تقليديًّا، بل مسألة وجود سلاح خارج إطار الدولة اللبنانية. ولذلك تبدو الإدارة الأميركية معنية بإحداث اختراق خلال الجولة التفاوضية المقبلة التي تمتد لثلاثة أيام، باعتبار أنّ أي تقدّم في هذا الملف سيُسجّل ضمن الإنجازات السياسية التي يسعى إليها الرئيس ترامب في إطار مشروع أوسع لخفض النزاعات في المنطقة.
وتخلص الأوساط إلى أنّ ربط مصير لبنان بنتائج التفاوض الأميركي – الإيراني لم يعد يستند إلى وقائع ملموسة، بل يدخل في إطار الاستثمار السياسي الداخلي. فالمُعطيات المتوافرة لدى الجهات المعنية تشير إلى أنّ المساريْن باتا منفصليْن إلى حدٍّ كبير، وأنّ مستقبل لبنان يُبحث على طاولة أخرى عنوانها الدولة اللبنانية والتفاوض المباشر برعاية أميركية.
