صحة

الضحك.. غذاء خفي لدماغ الطفل

2 حزيران, 2026

في الوقت الذي ينشغل فيه الآباء والأمهات بتوفير أفضل المدارس والبرامج التعليمية لأطفالهم، تكشف الأبحاث الحديثة أن الضحك أحد أبسط السلوكيات اليومية والذي يؤدي دورًا بالغ الأهمية في نمو دماغ الطفل وصحته النفسية وقدرته على التكيف مع تحديات الحياة.
وفقاً للدكتورة جاكلين هاردينغ Jacqueline Harding، خبيرة تنمية الطفل في جامعة ميدلسكس البريطانية Middlesex University، فإن لحظات الضحك التي يعيشها الأطفال ليست مجرد تعبير عفوي عن الفرح أو عن السعادة العابرة.

وتوضح هاردينغ التي تدير مشروع “طفل الغد” الأوروبي المتخصص في أبحاث تنمية الطفل والتربية في العصر الرقمي، أن الضحك يساعد على بناء روابط عاطفية عميقة، كما يمثل عملية بيولوجية وعصبية معقدة تشارك فيها شبكة واسعة من مناطق الدماغ

من بينها القشرة الجبهية الأمامية والمناطق المسؤولة عن الحركة والانفعالات والتفاعل الاجتماعي، كما أنه يعزز المرونة النفسية، ويدعم القدرة على التعلم والتكيف مع الضغوط.

الدماغ يتعلم أثناء الضحك
عندما يضحك الطفل، ينمو دماغه ، وتشير هاردينغ في كتابها الجديد “الدماغ يحب أن يضحك” “The Brain That Loves to Laugh”، إلى أن الضحك يخلق روابط عصبية جديدة داخل دماغ الطفل، ويحفز مناطق مسؤولة عن التعلم والتواصل الاجتماعي والتنظيم العاطفي. وترى أن الفكاهة والمرح ليسا مجرد وسيلة للترفيه، بل عنصران أساسيان في النمو السليم للطفل.

وتؤكد الباحثة البريطانية أن الأطفال الذين يعيشون أجواء أسرية مليئة بالمرح والضحك يكونون أكثر استعداداً لاكتشاف العالم من حولهم، وأكثر انفتاحاً على الأفكار الجديدة؛ لأن الضحك يساعد على تهدئة الجهاز العصبي وتقليل مشاعر التوتر والخوف.

كيف يحارب الضحك التوتر؟
توضح الدراسات الحديثة أن الضحك يسهم في خفض مستويات هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، ويعزز إفراز مواد كيميائية في الدماغ مرتبطة بالشعور بالراحة النفسية والسعادة مثل الدوبامين والسيروتونين والإندورفين .وعندما يتعرض الطفل لمواقف صعبة أو ضغوط نفسية، فإن وجود بيئة داعمة مليئة بالمرح يساعده على استعادة توازنه العاطفي بسرعة أكبر.
وتتوافق هذه النتائج مع أبحاث مركز تنمية الطفل في Harvard Center on the Developing Child، التي تؤكد أن التوتر المزمن أو ما يعرف بـ”التوتر السام” يمكن أن يؤثر سلبًا على بنية الدماغ ووظائفه، بينما تسهم العلاقات الإيجابية والتفاعلات الداعمة في حماية الطفل من هذه التأثيرات وتعزيز قدرته على التكيف النفسي.

وكما يشير الباحثون إلى أن الضحك يظهر لدى الطفل قبل تطور مهارات الكلام واللغة، ويؤثر في عدد من الوظائف الحيوية المهمة، مثل معدل ضربات القلب والتنفس وإنتاج الأجسام المضادة .

الضحك يبني المرونة النفسية
يرى علماء النفس أن المرونة النفسية لا تعني غياب المشكلات، بل القدرة على التعافي بعد الأزمات والتعامل مع الضغوط بطريقة صحية. وهنا يلعب الضحك دوراً محورياً.
وبحسب هاردينغ، فإن الأطفال الذين يضحكون ويلعبون بشكل متكرر يتعلمون بصورة غير مباشرة أن الصعوبات ليست نهاية العالم، وأن هناك دائماً مساحة للأمل والتفاؤل. وهذا ما يجعلهم أكثر قدرة على مواجهة الإخفاقات والتغيرات المفاجئة في حياتهم مستقبلاً.

اللعب والضحك.. وجهان لعملة واحدة
لا يقتصر تأثير الضحك على الجانب النفسي فحسب، بل يمتد إلى النمو المعرفي. ففي دراسة سابقة لهاردينغ حول أهمية اللعب في مرحلة الطفولة المبكرة، فقد أكدت أن دماغ الطفل “مصمم بيولوجياً للعب”، وأن الأنشطة المرحة تساعد على تطوير مهارات التفكير والإبداع وحل المشكلات.

كما يشير خبراء جامعة هارفارد إلى أن اللعب يمثل إحدى أهم الأدوات لبناء ما يسمى “البنية العصبية القوية” للدماغ، وهي الأساس الذي يعتمد عليه التعلم والصحة النفسية طوال الحياة.

شارك الخبر: