“شبكة التحول والحوكمة الرقمية”: الأولوية لبناء إطار قانوني وطني

أعلن “قطاع سياسات الانترنت والقانون والحقوق الرقمية والحريات” في شبكة التحول والحوكمة الرقمية، في بيان، انه “يتابع مشروع القانون الرامي إلى إنشاء “وزارة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي”، المحال الى مجلس النواب بالمرسوم رقم 1286، انطلاقاً من قناعة ثابتة بأن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يشكلان ضرورة وطنية وإدارية واقتصادية.
ولفت الى “ان دعم التحول الرقمي لا يعني القبول بأي نموذج مؤسساتي يطرح باسمه، خصوصاً عندما يتعارض هذا النموذج مع المبادئ التي يقوم عليها النظام الدستوري والإداري اللبناني نفسه”.
أَضاف :”إن الإشكالية الأساسية في المشروع لا تكمن في عنوان “الذكاء الاصطناعي”، بل في البنية القانونية التي يقترحها، وفي إنشاء سلطة إدارية رقمية فائقة الصلاحيات تتجاوز تلك المعطاة للوزارات المتخصصة، وتقترب من نموذج “الإدارة المركزية الشاملة” التي تجمع بين وضع السياسات والتنفيذ والتنظيم والرقابة ضمن مرجعية واحدة.
وهذا الأمر يتعارض مع مبدأ فصل السلطات وتوازنها وتعاونها المنصوص عليه في مقدمة الدستور اللبناني، الفقرة (هـ)
أولاً: المشروع يتعارض مع منطق الشرعية الإدارية في لبنان
يقوم النظام الإداري اللبناني، كما استقر عليه الفقه الإداري واجتهاد مجلس شورى الدولة، على مبدأ الشرعية الإدارية، أي أن الإدارة لا تمارس إلا الصلاحيات المحددة لها حصراً بموجب القانون، وبصورة واضحة ومحددة.
إلا أن المشروع يمنح الوزارة صلاحيات “على سبيل المثال لا الحصر”، وهي صياغة استثنائية وخطيرة في القانون الإداري اللبناني، لأنها تنشئ اختصاصاً مفتوحاً وغير مضبوط، يسمح بالتوسع المستقبلي غير المحدود في وظائف الوزارة، من دون أي ضوابط تشريعية حقيقية، وهذا يعني عمليا إنتاج مركز سلطة رقمية جديد خارج المنطق التقليدي لتوزيع الاختصاصات.
كذلك، يخلط المشروع بين الوظائف الدستورية والإدارية، بالرغم من ان الدستور اللبناني يكرّس مبدأ توزيع الوظائف والصلاحيات بين المؤسسات، وليس جمعها داخل مرجعية واحدة. فالسلطة التنفيذية مناطة بمجلس الوزراء مجتمعاً، وليس بأية وزارة منفردة ذات طبيعة فوق-وزارية.
كذلك، يمنح المشروع الحالي الوزارة المقترحة أدواراً متشابكة في آن واحد، إذ يجعلها واضعة للسياسات الرقمية، منفذة للمشاريع، منظّمة للقطاع، مشرفة على البيانات، معنية بالأمن السيبراني، مرجعية للاستثمار الرقمي، شريكاً مباشراً للقطاع الخاص، وجهة تدريب وتأهيل واعتماد.
وهذا الجمع بين الأدوار يتناقض مع أبسط قواعد الحوكمة الحديثة، لأن الجهة التي تضع السياسة لا يفترض أن تكون هي نفسها الجهة المنظمة والمراقِبة والمنفذة في الوقت ذاته.
فالرقابة تفقد معناها عندما تتحول الإدارة إلى خصم وحكم معاً”.
وتابع البيان :”يضاف الى ما تقدم، إن إدراج الأمن السيبراني وحماية البيانات الشخصية داخل وزارة سياسية جديدة يشكل تراجعاً عن الاتفاق الوطني، الذي شهدته الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني في لبنان، والتي اتجهت نحو إنشاء هيئة وطنية مستقلة وعابرة للوزارات.
فالأمن السيبراني ليس مجرد ملف تقني، بل ملفا سياديا يرتبط مباشرةً بالأمن الوطني، بالبنية التحتية الحيوية، باستمرارية المرافق العامة، بحماية المؤسسات، وبالحقوق والحريات الأساسية للمواطنين.
كما أن حماية البيانات الشخصية لا يمكن أن تخضع لمنطق السلطة التنفيذية التقليدية، لأن أية جهة تستخدم البيانات لا يجوز أن تكون هي نفسها المرجعية التي تراقب قانونية استخدامها.
وهذا المبدأ هو نفسه الذي اعتمدته النماذج الأوروبية الحديثة، حيث تتمتع سلطات حماية البيانات باستقلالية قانونية ومؤسساتية كاملة.
علما ان هذا المشروع يعيد إنتاج المركزية الإدارية ، بالرغم من ان لبنان تاريخياً يعاني من تضخم الإدارة المركزية وتداخل الصلاحيات وضعف التنسيق بين المؤسسات العامة. وقد قام التنظيم الإداري اللبناني أساساً، على توزيع الوظائف ضمن هرمية إدارية واضحة وعلى منع تركز السلطة الإدارية في مرجعية واحدة.
إلا أن المشروع الحالي يسير في الاتجاه المعاكس تماماً، عبر تجميع ملفات رقمية، وسيادية، واقتصادية، وتنظيمية متباينة داخل وزارة واحدة، بما يشبه إنشاء “دولة رقمية داخل الدولة”.
ورأى البيان ” الأخطر أن هذا التمركز يحصل من دون وجود قانون فعلي لحوكمة البيانات، إطار وطني واضح للذكاء الاصطناعي، استراتيجية تحول رقمي مكتملة، بنية رقمية موحدة، أو آليات مساءلة مستقلة. أي أن المشروع يقفز مباشرة إلى تضخيم الهيكل قبل بناء قواعد الحوكمة نفسها”، مضيفا “ان الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى إطار قانوني لا إلى عنوان سياسي، فالتحدي الحقيقي في الذكاء الاصطناعي لا يتمثل في إنشاء وزارة تحمل اسمه، بل في الإجابة عن الأسئلة القانونية والدستورية التي يفرضها، حول من يتحمل المسؤولية عن قرارات الخوارزميات، وكيف تحمى البيانات، وكيف يمنع التمييز والتحيز الخوارزمي، ومن يراقب استخدام الذكاء الاصطناعي في الإدارة العامة، وما حدود استخدامه أمنياً وقضائياً، وكيف تضمن الشفافية والحق بالمراجعة والطعن؟
وهذه الأسئلة لا تعالج عبر تضخم إداري، بل عبر تشريعات متخصصة، وهيئات مستقلة، وآليات رقابة فاعلة، وقضاء إداري قادر على حماية مبدأ المشروعية الرقمية”.
ورأى القطاع أن “الأولوية الوطنية يجب أن تكون ل:
• بناء إطار قانوني وطني لحوكمة الذكاء الاصطناعي
• تحديث قوانين البيانات والمعاملات الإلكترونية
•إنشاء هيئة مستقلة لحماية البيانات
•إنشاء وكالة وطنية مستقلة للأمن السيبراني
•تعزيز التنسيق بين الوزارات والإدارات القائمة
•الفصل الواضح بين التنظيم والتنفيذ والرقابة
•منع تركز السلطة الرقمية داخل مرجعية إدارية واحدة”.
وختم البيان: “في المحصلة، إن لبنان لا يحتاج إلى “وزارة ذكاء اصطناعي” بقدر ما يحتاج إلى دولة رقمية تحترم الدستور، وتقوم على الشرعية والشفافية والمساءلة وتوازن الصلاحيات . والتحول الرقمي الحقيقي لا يقاس بعدد الوزارات الجديدة، بل بقدرة الدولة على بناء حوكمة رقمية رشيدة تحمي المؤسسات والحقوق والحريات العامة في آن واحد”.
