لبنان

عبور إسرائيل “الليطاني” إغراقٌ لمفاوضاتها مع لبنان

13 أيار, 2026

جاء في “الراي الكويتية”:

ليس عابراً أن تكشف اسرائيل، عشية الجولة الثالثة من المفاوضات المعزَّزة مع لبنان في واشنطن، أن قواتٍ من وحدة إيغوز وسرية الاستطلاع التابعة للواء غولاني قامت بعبور نهر الليطاني شمالاً بالمدرّعات وعملت على أطراف بلدة زوطر الشرقية على بُعد نحو 10 كيلومترات عن الحدود، في تطورٍ بدا أكثر من «استطلاعٍ بالقوة» وأقرب الى فرْضِ واقعٍ عسكري وترسيمِ حدودِ انطلاقِ أي حربٍ جديدةٍ شاملةٍ مع «حزب الله» وتوجيه رسالةٍ متعددة الاتجاه عنوانها «الميدان يُفاوِض الطاولة» ولا مانع من أن يجعل الجالسين حولها أمام «مهمة مستحيلة».

ولم يكن ممكناً قراءةُ كَشْفِ إذاعةِ الجيش الاسرائيلي عن عمليةِ عبور نهر الليطاني التي استمرّت لنحو أسبوعٍ و«تمهّد الطريق لإمكان عبوره بالمستقبل إن لزم الأمر» على أنه مجرّد توغُّل عسكري سرّي نحو منطقةٍ أُعلن في تل أبيب أن الحزب «كان يطلق منها العديد من الصواريخ وقذائف الهاون باتجاه القوات الاسرائيلية»، وأنه وقعتْ خلال العملية «اشتباكات عدة من مسافة قريبة مع مقاتلي الحزب، أُصيب خلالها عدد من الجنود».

وشكّل هذا التطور معطى مدجَّجاً بالتوازي بأبعاد عسكرية وأخرى سياسية – نفسية، وسط اعتبار أوساط مطلعة أن مجاهرة إسرائيل ببلوغها، بالسلاح الثقيل، شمال الليطاني فيما هي تحتلّ نحو نصف جنوب النهر وتقبض بالنار تقريباً على النصف الثاني وصولاً الى الحافة الأمامية من البقاع الغربي يَعني واقعياً كَسْراً وإسقاطاً لخطّ أحمر جغرافي وإستراتيجي جديد، واختباراً عملياً للجسور والمسالك تحضيراً وتَحَسُّباً لعملية بريةٍ أوسع إذا اقتضى الأمر ذلك.

وفي إسقاطٍ لهذه العملية على التوقيت الدبلوماسي المضبوط على ساعة مفاوضات واشنطن، الخميس والجمعة، والتي يتصدّرها بندُ تثبيت وقف النار الذي تضغط في اتجاهه بيروت، تصبح لمغزى هذا «العبور» أهداف تطلّ على إحراجِ الوفد اللبناني في مسعاه لإنهاء واقع «الحرب في زمن الهدنة» الذي يَحكم جبهة لبنان منذ نحو شهر، وأيضاً في ركيزة مطالبه الجوهرية المتمثلة في الانسحاب إلى ما وراء الحدود، بحيث أعلنتْ تل أبيب فعلياً باختراق قواتها شمال الليطاني أنها «تجاوزت» أعمق نقطة ليس في الجغرافيا بل في الحسابات اللبنانية.

وتوقفت الأوساط المطلعة عند أن «عملية العبور» ترافقت مع تقارير عن تسريع اسرائيل وتيرة التكيّف مع «حرب المسيّرات» ومعالجة هذه «الخاصرة الرخوة».

وفيما أعلنت إذاعة الجيش عن «وصول عشرات آلاف الطلقات المتشظية لتوزيعها على قواتنا في لبنان لمواجهة مسيرات حزب الله»، وأن «الجيش بدأ بإدخال منظومات مستوحاة من حرب روسيا وأوكرانيا للتصدي لها»، وان «هذه المنظومات تعتمد على أسلاك شائكة دوارة لقطع كابلات الألياف البصرية لمسيَّرات الحزب»، أوردت صحيفة «يديعوت احرونوت» أن «الجيش قرر تطوير رده على مسيّرات الحزب بإنشاء مصنع لإنتاج مسيّرات مفخخة».

وفي رأي الأوساط المطلعة أن استحضارَ واستيرادَ تكتيكاتٍ من حرب روسيا وأوكرانيا والإعلان عن مصنعٍ لنوعٍ من المسيّرات يتماثل في النوع والتكلفة مع التي يعتمدها حزب الله، أي محاربته بسلاحه نفسه، يَعني في جانبٍ منه أن إسرائيل تُعْطي إشارةً الى أنها أمام حربٍ طويلةِ الأمدِ تريد التحوّط لجولاتها اللاحقة المحتمَلة.

وإذا قيس بلوغُ شمال الليطاني والاستعداد لمحاكاة خطر المسيَّرات تقنياً وميدانياً، إلى جانب مضيّ الجيش الاسرائيلي باستهدافاته الدموية وتوسيع حلقة الغارات والإنذاراتِ بالإخلاء لِما بعد بعد «منطقة الدفاع الأمامي» (الخط الأصفر)، بمعيارِ مفاوضات واشنطن، يصبح مشروعاً وفق الأوساط عينها اعتبارُ أن إسرائيل تمعن في تظهير مشهد «التفاوض تحت النار» بأقسى صوره ومحاولة إرساء معادلةٍ أمام لبنان بأن لا عودة لِما قبل «عبور النهر» وقَضْم عشرات البلداتِ (باتت محتلة) و«احتجاز» مثلها بالقصف وحظر الدخول إليها، وأن «موازين التفاوض» الذي تريد اسرائيل منه في شكل رئيسي ضمان سحب سلاح «حزب الله» بالكامل يجب أن تلحظ «الواقع الميداني الجديد» الذي صار شمال الليطاني جزءاً منه.

وساد لبنان بإزاء هذه المناخات ترقُّب ثقيل لِما إذا كانت الساعات الفاصلة عن المفاوضات ستحمل مزيداً من «نُذُر العاصفة» الأشمل، وهل ستكثّف الدبلوماسيةُ الأميركية، كما الدول الصديقة لبيروت، الجهودَ لتَفادي فشلٍ لا تريده الولايات المتحدة ولا تحتمله ولا ترغب فيه «بلاد الأرز».

وقد بدا من الصعب الجزم إذا كان تَشظّي الهدنة في شكل خطير عبر التصعيد الاسرائيلي النوعي في الميدان وما قابَله من هجمات للحزب وبعضها نوعيّ أيضاً – كرّر الثلاثاء، إطلاق صاروخ أرض – جو باتجاه طائرة عسكرية إسرائيلية – هو في سياقِ تكبيل مسار واشنطن بقيودٍ ذات صلةٍ بمسارِ اسلام اباد الإيراني – الأميركي، أم استباقُ ضغطٍ أميركي محتمَل على تل ابيب لاحترام الهدنة على جبهة لبنان عبر محاولة تثبيت وقائع عسكرية إضافيةٍ تكبّل أيدي بيروت في المفاوضات الرسمية وتضعها أمام معادلة «الأرض مقابل السلاح» وربما السلام كذلك.

وفي وقت اعتبرتْ أوساط مطلعة أنّه مع عودة جبهة إيران إلى دائرة الانسداد الدبلوماسي وتالياً الاحتمالات المفتوحة ولعبة الوقت، يصبح مطروحاً سيناريو دفْع طهران جبهة لبنان – أو تهيئتها – للتفجير قبل أن تصل طاولة واشنطن إلى اتفاقٍ بحضٍّ أميركي، تحذّر مما عبّر عنه تَعَمُّد بنيامين نتنياهو تصويرَ السلطة اللبنانية وكأنها «شريك» في التخلّص من الحزب من تكريسِ حجم «التقاطع الخبيث» على هدف عدم قَفْلِ جبهة لبنان حالياً، ولو بثمنِ جرّ طهران الوطن الصغير إلى مزيدٍ من السقوط تحت ركام من دم ودمار ولعب اسرائيل على وتر تناقضات الجبهة الداخلية اللبنانية.

المصدر: Al Rai media – kuwait | صحيفة الراي الكويتية

شارك الخبر: