لبنان

تقوم على “الندية والسيادة”… لبنان وسوريا يفتحان صفحةً جديدةً من العلاقات الثنائية

11 أيار, 2026

في دمشق، واصل كل من لبنان وسوريا مسار تصحيح العلاقات وإعادتها إلى طبيعتها، بعدما شكّلت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى العاصمة السورية ولقاء الرئيس أحمد الشرع محطةً أساسيةً في تحقيق تقدّم كبير على صعيد القضايا المشتركة، ولا سيما تنفيذ الاتفاقية الخاصة بنقل السجناء المحكومين من السجون اللبنانية إلى سوريا، ومتابعة ملف الموقوفين السوريين، وكشف مصير المفقودين والمخفيين قسرًا في البلديْن.
في هذا السياق، توقفت مصادر مطلعة عند دلالات الزيارة، معتبرةً أنّ حفاوة الاستقبال تجاوزت الأطر البروتوكولية المعتادة، وعكست اهتمامًا واضحًا ومظلةً عربيةً داعمةً، ولا سيما من المملكة العربية السعودية، لمسار إرساء علاقات لبنانية – سورية متينة تُبنى عبر مؤسسات الدولتين الشرعية.
ولم يغب ملف المفاوضات عن المروحة الواسعة من المواضيع التي تناولتها زيارة الرئيس نواف سلام إلى دمشق السبت ولقائه الرئيس السوري أحمد الشرع، حيث أعلن في ختامها “أننا أحرزنا تقدمًا كبيرًا في معالجة قضايانا المشتركة، لا سيما ما كان عالقًا منها، وذلك بروح طيّبة وحرص على التعاون بلا تحفّظ ولا تردّد. وإنني على ثقة أن نتائجها الملموسة ستظهر قريبًا”.
وأوضح أن الزيارة جاءت “ليس فقط لمتابعة ما بدأناه منذ عام وأكثر، بل لإطلاق مبادرات جديدة في العمل المشترك وللتأكيد، مرّةً أخرى، على أهميّة العلاقة بين الدولتين في كل المجالات وعلى مستوى المؤسسات الرسمية المعنية جميعها. ونحن ندرك تمام الإدراك أن تمتين العلاقة من دولة إلى دولة يفتح الباب واسعًا أمام التفاعل والتشارك بين القوى الحيّة في البلدين، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد بحثنا في التحديات الكبيرة التي تواجه لبنان وسوريا في ظلّ التطورات الإقليمية المتسارعة على أكثر من صعيد واتفقنا على أهمية استمرار التشاور بشأنها لما فيه مصلحة البلدين”.
وعدّد سلام بالتفصيل الملفات المشتركة التي تناولتها المحادثات بين وفدي البلدين.
ورافق الرئيس سلام وفد وزاري ضم نائب رئيس الحكومة طارق متري ووزير الطاقة والمياه جوزيف الصدي، ووزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط، ووزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني. واستقبله منفردًا الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الشعب.
واجتمع كل من رسامني، الصدي، والبساط مع نظرائهم السوريين يعرب بدر، محمد البشير، ومحمد نضال الشعار في قصر الشعب، فيما اجتمع متري مع وزير الداخلية أنس الخطاب في مقر وزارة الداخلية. ثم انضم الوزراء إلى اجتماع الرئيسين الشرع وسلام.
وقالت المعطيات إن الاجتماع بين رسامني ووزير النقل السوري ركز في جزء كبير منه على ملف المعابر حيث طالب الوفد اللبناني بالإسراع في فتح معبر العبودية. وأفيد بأنه تم الاتفاق على تأسيس مجلس أعمال لبناني – سوري يضم نخبةً من رجال الأعمال في البلدين على أن يزور الوفد اللبناني سوريا خلال حزيران.
وأعلنت الرئاسة السوريّة في بيان بعد انتهاء اللقاء أن “الشرع بحث مع سلام سُبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين، وتطوير التعاون الاقتصادي والتجاري بما يخدم المصالح المشتركة، وتعزيز التنسيق الأمني لدعم الاستقرار ومواجهة التحديات، إلى جانب تبادل وجهات النظر حول المستجدات الإقليمية والدولية والقضايا ذات الاهتمام المشترك”.
وأفيد بأن الشرع أكد لسلام وقوف سوريا إلى جانب الحكومة اللبنانية ودعمها الكامل لها في إطار علاقة تقوم على الاحترام المتبادل للسيادة وتعزيز التعاون الأخوي والاستراتيجي بين البلدين، كما أن مسألة الخلايا التابعة للحزب التي تعلن الداخلية السورية عن توقيفها، كانت مدار بحث، حيث رفض سلام التدخل من أي نوع في الشؤون السورية، مُدينًا أي إخلال بالأمن يقوم به أي طرف لبناني في أي دولة كانت. وتم خلال الاجتماع اللبناني – السوري فتح صفحة جديدة بين البلدين مبنية على الاحترام والتعاون والأخوة والعلاقات من دولة إلى دولة.
على هذا الصعيد، أكّدت مصادر حكومية لبنانية لصحيفة “الجمهورية”، أنّ الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق، ولقاء الرئيس أحمد الشرع، شكّلت نقطة انطلاق فعلية لمسار جديد في العلاقات اللبنانية – السورية، تقوم على إعادة النظر بكل الاتفاقات التي أُبرمت خلال مرحلة الوصاية السورية على لبنان، والتي كانت، بحسب المصادر، “غير متوازنة وتفتقد إلى الحدّ الأدنى من الندّية بين دولتَين مستقلتَين”.
وأشارت المصادر، إلى أنّ اللجان الفنية المشتركة التي اتُفق على تشكيلها ستتولّى مراجعة عشرات الاتفاقات والبروتوكولات الموقّعة منذ تسعينيات القرن الماضي، ولا سيما منها تلك التي كرَّست تفوُّقًا سوريًّا على حساب المصالح اللبنانية، سواء في ملفات الترانزيت، الاستيراد والتصدير، النقل البري، الرسوم الجمركية، المعابر الحدودية، المياه، الكهرباء، الفيول، الغاز…
ولفتت المصادر، إلى أنّ من أبرز الاتفاقات التي يجري العمل على تعديلها أو إلغائها، الاتفاقات المتعلقة بالمجلس الأعلى اللبناني – السوري، واتفاقات التنسيق الاقتصادي والأمني التي منحت دمشق عمليًّا حق التأثير المباشر في القرار اللبناني، بالإضافة إلى الترتيبات التجارية التي كانت تُلزم لبنان بشروط غير متكافئة حول مرور البضائع اللبنانية عبر الأراضي السورية ورسوم الترانزيت، فضلًا عن ملفات الطاقة والربط البري التي كانت تُدار وفق مصلحة النظام السوري السابق بصورة شبه أحادية.
وأضافت المصادر أنّ المقاربة الحالية تختلف جذريًّا عن المرحلة السابقة، إذ إنّ النقاش القائم اليوم يتمّ “بين دولتَين جارتَين ذات سيادة”، وليس ضمن معادلة “تابع ومتبوع” التي حكمت العلاقات لعقود من الهيمنة السورية على القرار في بيروت.
وشدّدت المصادر على أنّ الجانب اللبناني أبلغ المسؤولين السوريّين بوضوح، بأنّ أي اتفاق مستقبلي يجب أن يقوم على المصالح المتبادلة والاحترام الكامل لسيادة البلدَين، وعلى قواعد شفافة تحفظ حقوق الطرفَين بالتساوي.
وحسب المصادر نفسها، فإنّ البحث لا يقتصر على إلغاء الاتفاقات القديمة وصوغ اتفاقات جديدة، بل يشمل أيضًا التحضير لحزمة اتفاقات جديدة أكثر توازنًا، تتناول التجارة والاستثمار والطاقة والنقل والحدود، بما يفتح الباب أمام علاقات طبيعية ومستقرة بين البلدَين بعيدًا من الإرث السياسي والاقتصادي الذي طبع المرحلة السابقة.
بالإضافة إلى التحضير لنقاشات مستقبلية لترسيم الحدود البرية والبحرية بين بيروت ودمشق، خصوصًا أنّ البلدَين بحاجة للبدء بأسرع وقت ممكن في جذب استثمارات التنقيب عن الغاز في البحر، علاوةً على مكافحة الجريمة عبر الحدود.
كما وعد الجانب السوري بالعمل على تمكين لبنان من الإفادة من مشاريع حيوية ومستدامة، أبرزها مشروع سكة الحديد الاستراتيجي الذي يربط السعودية بتركيا مرورًا بالأردن وسوريا، بما يفتح أمامه نافذة اقتصادية وإقليمية جديدة. وأكدت أنّ استقرار البلدين سياسيًا واقتصاديًا يشكّل ضرورةً استراتيجيةً متبادلةً، بخلاف حقبات الأسدَين التي اقتاتت على زعزعة أمن لبنان وتحويله إلى ورقة مقايضة.

شارك الخبر: