المفاوضات تحت ضغط تهديد وجودي: هل يقبل “الحزب” بنتائجها؟

كتبت غادة حلاوي في”المدن”:
رفضت إسرائيل مطلب لبنان وقف الحرب شرطاً لانطلاق جولة التفاوض الثالثة التي تستضيفها واشنطن، وأصرت على التفاوض معه تحت النار، بدليل توسيع رقعة عدوانها على الجنوب وصولاً إلى الطريق الساحلي وأطراف جبل لبنان. إصرار على التصعيد بالرغم من الضغوط الأميركية التي تؤكد واشنطن أنها تمارسها على إسرائيل. فالهدنة التي تحدث عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تلامس الجنوب، فيما خرقتها إسرائيل أيضاً في الضاحية الجنوبية. ومع ذلك، لم يجد لبنان بداً من التفاوض لوقف الحرب الإسرائيلية.
تقول المعلومات المستقاة من مصادر رسمية إن الموفد الرئاسي إلى المفاوضات السفير السابق سيمون كرم سيطرح على بساط البحث مختلف الملفات، وسيبادر إلى طرح وقف إطلاق النار كبند أول على طاولة المفاوضات. وإذا لم تلتزم إسرائيل بذلك، فإن لبنان سيواصل التفاوض للبحث في بند الانسحاب الإسرائيلي والتزام إسرائيل به، وهو البند الذي قد يهدد المفاوضات في حال رفضت إسرائيل التعهد الواضح به.
ويتوقع لبنان أن تطرح إسرائيل مسألة سحب السلاح، إضافة إلى ترتيبات أمنية أو حتى معاهدة سلام. ويدرك لبنان أن لدى إسرائيل طروحاتها التي ستحاول فرضها، فيما يمتلك هو بالمقابل جدول أعماله ومطالبه. وسيؤكد رفضه حكماً مطلب توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل، محدداً سقف التفاوض بالتوصل إلى اتفاق هدنة، مع التشديد على عدم إمكانية الخروج عن سقف الموقف العربي.
وعلمت “المدن” أنه، إلى جانب السفير سيمون كرم الذي سيكون المفاوض الأساسي بصفته ممثلاً لرئيس الجمهورية، تشكل وفد لإدارة المفاوضات، يضم شخصيات متعددة ومن مختلف الطوائف، جرى التوافق على تشكيله بين الرؤساء الثلاثة.
لكن ما حددته وزارة الخارجية الأميركية يختلف عما حمله لبنان أقله في العناوين العريضة. فقد نص بيان الخارجية على أن حكومات الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل ستعقد اجتماعاً جديداً يومي 14 و15 أيار في واشنطن، لمتابعة المناقشات المتعلقة بالتوصل إلى اتفاق شامل للسلام والأمن، على أن تركز النقاشات على: ضمان سيادة لبنان واستقراره، نزع سلاح حزب الله بالكامل، إعادة جميع الأسرى، وتعزيز إعادة إعمار لبنان وتنميته الاقتصادية. وأكدت تطلعها إلى “استمرار التعاون مع حكومتي لبنان وإسرائيل من أجل دفع هذا المسار قدماً”.
يكشف بيان الخارجية الأميركية أن واشنطن لم تعد تتعامل مع الملف اللبناني ـ الإسرائيلي باعتباره مجرد ترتيبات أمنية حدودية محدودة، بل كمسار سياسي متدرّج نحو “اتفاق سلام وأمن شامل”. وأبرز ما يمكن استخلاصه من نص البيان:
– تحديد موعد رسمي لجولة جديدة من المفاوضات يومي 14 و15 أيار في واشنطن، ما يعني أن المسار أصبح مؤسسياً وثابتاً، وليس مجرد اتصالات ظرفية.
– استعمال تعبير “اتفاق سلام وأمن شامل”، وهو تطور نوعي يتجاوز تثبيت وقف النار، أو تطبيق القرار 1701، أو ترسيم الحدود فقط.
– ربط البيان الأميركي صراحة بين “سيادة لبنان”، و”إعادة الإعمار”، و”استعادة سلطة الدولة اللبنانية كاملة”، و”نزع سلاح حزب الله بالكامل”.
وهذا يعني أن واشنطن تعرض معادلة سياسية واضحة: الدعم الاقتصادي وإعادة الإعمار مقابل احتكار الدولة للسلاح.
اللافت أيضاً أن البيان يتحدث عن “الابتعاد عن مقاربة العقدين الماضيين التي سمحت للجماعات الإرهابية بالترسخ”، وهي صياغة أميركية تعتبر عملياً أن مرحلة ما بعد عام 2006 انتهت، وأن واشنطن تريد إعادة بناء النظام الأمني اللبناني بطريقة مختلفة.
سياسياً، يبدو أن إدارة دونالد ترامب تحاول تحويل نتائج الحرب الإقليمية الأخيرة إلى تسوية إقليمية أوسع تشمل لبنان وغزة، وربما سوريا لاحقاً. وهذا ما تلمّح إليه تقارير أميركية وإسرائيلية متعددة تتحدث عن “فرصة تاريخية” لإعادة تشكيل المنطقة.
في المقابل، يصر الموقف اللبناني الرسمي على تقديم المفاوضات باعتبارها مساراً أمنياً ـ سيادياً، لا تطبيعاً سياسياً كاملاً، بدليل تأكيد رئيس الحكومة نواف سلام أن الحديث عن لقاءات سياسية عالية المستوى أو تطبيع لا يزال “مبكراً”.
والنقطة الجوهرية هنا تكمن في الاختلاف في مقاربة التفاوض بحد ذاته، وفي اللغة الأميركية التي تتحدث عن “سلام”، فيما يتحدث الخطاب اللبناني الرسمي عن “تثبيت السيادة ووقف الاعتداءات”. وهذه الفجوة قد تصبح جوهر الصراع السياسي الداخلي اللبناني في المرحلة المقبلة.
كل المؤشرات تؤكد انتقال ملف لبنان من “الإدارة الإسرائيلية” إلى “الإدارة الأميركية المباشرة”. فقبل الحرب على إيران، لم يكن ملف لبنان على جدول أعمال البيت الأبيض، بل إن إدارة بنيامين نتنياهو كانت تتمتع بهامش واسع في إدارة المواجهة.
أما بعد الحرب، فقد خرج لبنان من مستوى المعالجة الأمنية الإسرائيلية المباشرة، وأصبح جزءاً من الترتيبات الإقليمية الكبرى المرتبطة بالحرب الأميركية ـ الإيرانية.
وتريد واشنطن إدارة التسوية بنفسها، لا عبر الحكومة الإسرائيلية، وهذا ما يفتح باب التساؤل حول خلفيات قرارها استعادة الملف: هل تخشى انفجاراً لبنانياً واسعاً؟ أم تسعى إلى منع نتنياهو من فرض وقائع ديموغرافية وأمنية جديدة جنوباً؟
هنا يحاول الموقف اللبناني الرسمي توضيح حقيقة موقفه، القائل إن المفاوضات ليست “سلاماً”، بل محاولة لمنع انهيار لبنان. فهو لا يتحدث بلغة التطبيع، بل بلغة “احتواء الكارثة” والحد من العدوان الإسرائيلي المتمادي، خصوصاً أن “إسرائيل تحتل وتدمر جبل عامل بعد تهجير أهله”، ما يعني أن “المفاوضات تُجرى تحت ضغط خطر وجودي”.
ومن وجهة النظر اللبنانية، فإن الأولوية لم تعد تقنية أو حدودية، بل منع التهجير والتفكك الداخلي، لأن الجنوب لم يعد مجرد ساحة مواجهة، بل أصبح مسألة وجودية ديموغرافية ووطنية.
ويعتبر لبنان الرسمي أن فصل المسار اللبناني عن الإيراني يشكل نقطة استراتيجية بالغة الأهمية بعد حرب الإسناد الثانية. لكن السؤال يبقى: هل تبدأ واشنطن فعلاً بفصل لبنان عن الحرب الإيرانية، وتمنحه “استثناءً” لحماية الداخل اللبناني، حتى لو استمر الصراع الإقليمي؟
الفتنة الداخلية كأداة ضغط
وليس الخطر محصوراً بتمادي العدوان الإسرائيلي والاحتلال، إذ يبدي كثيرون خشية حقيقية من الفتنة الداخلية كأداة ضغط إسرائيلية في حال فشل المفاوضات، ومن استخدام الانقسامات اللبنانية كسلاح تفاوضي.
أبلغ رئيس الجمهورية جوزاف عون السفير الأميركي ميشال عيسى رفضه لقاء بنيامين نتنياهو، مكتفياً بلقاء ترامب، في محاولة لبنانية للحفاظ على التوازن الداخلي والاستفادة من الرعاية الأميركية، من دون دفع أثمان داخلية كبرى.
يعكس الموقف اللبناني التفاوضي خشيته من انتقال الضغط من الحدود إلى الداخل اللبناني، بفعل التوتر الطائفي والنزوح المستمر، فضلاً عن الانقسام حول السلاح وحول التفاوض نفسه.
وبينما يستعد لبنان لجولة مفاوضات ثالثة، يبقى السؤال الأساسي: هل سيعرقل حزب الله المفاوضات؟ وهل سيقبل بنتائجها؟
فالسلطة مقتنعة بأن أي تفاوض لا يمر عبر موافقة ضمنية من حزب الله يبقى هشاً، ولذلك لم تعد المشكلة في بدء التفاوض، بل في “اليوم التالي”. فالدولة تستطيع التفاوض، لكنها لا تستطيع فرض تسوية مستقرة إذا رفضها الحزب. ومن هنا، تكمن العقدة الحقيقية في مفاوضات واشنطن في سؤال واحد: ماذا يريد حزب الله؟
المصدر: almodon | المدن
